يجب أن نشجع الأشياء الجيدة لطرد الأشياء السيئة في وسائل التواصل الاجتماعي

ريم تينا غزال

AFP Photo: Justin Sullivan

بعد أن شهدنا الأثر السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي – صار المرء يميل إلى الاعتقاد أن العام الحالي هو الأسوأ على الإطلاق. فقد لجأ إليها دعاة الكراهية لبث سمومهم، ونشر الأكاذيب، والتحريض على العنف. ومع غياب حارس البوابة الإعلامية؛ وهو الدور الذي يقوم به المحررون في الصحف، أصبح بإمكان أي شخص يمتلك هاتفًا (وهو عادةً الوسيلة المُستخدمة) أن “ينشر” أي أفكار قد تطرأ على ذهنه –مهما كانت تلك الأفكار حمقاء أو خطيرة أو تخلو تمامًا من الصحة. لكن وفي خضم كل تلك السلبيات، علينا أن نتذكّر أن وسائل التواصل الاجتماعي يُمكنها أن تكون أداة للخير أيضًا. فقد خرج المارد من القمقم بالفعل، ولا يسعنا التخلص من تويتر وفيسبوك وإنستجرام وباقي وسائل التواصل الاجتماعي لمجرد أننا نرجو ذلك، لكن يمكننا أن نحاول التركيز على الأمور الجيدة التي يُحققونها وأن يحدونا الأمل في أن تلك الأمور ستقضي على المساوئ.

إليك هذا المثال، خلال الشهر الحالي ظهر منشور وانتشر على نطاق واسع وأدّى إلى تغيير حياة شخصين هنديين. بدأ الأمر عبر مقطع فيديو يدمي القلوب لزوجين هنديين مُسنَين يتحدثان عن المِحنة التي واجهتهما وطالت كشك الطعام الذي يملكانه بسبب انتشار جائحة كورونا (كوفيد-19)، وقد أجهش الرجل بالبكاء أثناء حديثه بسبب عدم توافد الزبائن على الكشك المتواضع الذي يملكانه.

استغرق مقطع الفيديو ثوانِ معدودة، لكنها كانت كافية لأن تمس قلوب متابعي تويتر، وبعد إعادة تغريده لبضع مئات من المرات، بدأ المزيد من الناس يتوافدون على كشك الزوجين الهنديين، وحتى كتابة هذه السطور، حصل هذا المنشور على أكثر من 53000 إعادة تغريد و 170000 ألف إعجاب. ومنذ ذلك الحين، التُقِطَت العديد من الصور للزوجين المُسنَّين وهما يخدمان طوابير طويلة من الزبائن بسعادة، بل وقاما مُؤخرًا بتجديد الكشك الذي يملكانه من خلال التمويل الجماعي الذي وفره لهما هؤلاء الزبائن في أمر يشبه المعجزة.

ألهمت تلك القصة العديد من المنشورات الأخرى المُتعلقة بدعم المشروعات المحلية الصغيرة خلال الجائحة التي تبدو مُستمرة بلا نهاية. مما دفع الكثيرون -بمن فيهم أنا – إلى زيارة المتاجر الصغيرة التي تضرَّرَت بشدة من جراء الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الوباء.

ولعل الدرس المُستفاد هنا أنه في خِضَم هذا الفيض من السلبية فالناس متحمسون للقصص التي تبعث على الأمل. ولهذا السبب فغالبًا ما تكون مقاطع الفيديو المُصَوَّرة للأطفال والحيوانات والتي تمس القلوب هي الأكثر مُشاركة. ومن نفس المُنطلق، يحرص الناس أيضًا على تقديم المُساعدة في القضايا التي تمس الأطفال والحيوانات المُعرضين للمخاطر. ولذلك، تلجأ منظمات الرعاية الاجتماعية ودُعاة حماية البيئة ودعاة حماية الحيوانات وغيرهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ووفقًا للدراسة الاستقصائية التي أجرتها الجمعية الأمريكية لمنع القسوة ضد الحيوانات عام 2018، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تعُد أداة فعَّالة للغاية في زيادة الوعي العام، والكشف عن الوحشية تِجاه الحيوانات، وتعزيز الدعم المُقدَّم للحياة البرية، ولجميع تلك الأسباب، صرَّحت الغالبية العظمى ممن شملتهم تلك الدراسة بأنهم سيُزيدون استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي. (أي أُنجِزَت المُهمة لصالح الخير).

وقد تكون هذه هي الوسيلة التي نجح عالِم الطبيعة والمذيع الشهير ديفيد أتينبارا من خلالها في جذب مليون متابع على إنستجرام ليتفاعلوا مع تحذيره بأن “العالم يواجه مُشكلة حقيقية” –وفي وقت قياسي بلغ 4 ساعات و 44 دقيقة بالتحديد، مُتجاوزًا بذلك الرقم القياسي السابق الذي بلغ مليون مُتابع والذي حققته الممثلة جنيفر أنستون.

لكن وكما أشرنا سلفًا فإن وسائل التواصل الاجتماعي لديها القدرة على الإيذاء أيضًا. ومن أمثلة ذلك، أحد المنشورات على إنستجرام الذي يعود لعام 2016، حيث التُقِطَت صورة لشخص يُدعى ناظر الإسلام عبد الكريم، وهو عامل نظافة من بنجلاديش يعمل في الرياض، وهو يحدق بحزن في مجموعة من المجوهرات المعروضة بأحد المحال، كانت الصورة مُثيرة للشفقة بسبب الحزن الذي ظهر جليًا بها، ورغم ذلك، فبدلًا من التعاطف معه وهو أمر يستحقه، تعرّض الرجُل في البداية للسخرية، حيث كتب أحد مُستخدمي موقع إنستجرام:”هذا الرجل يجدر به النظر إلى القِمامة فقط”.

لكن هل تتذكر ما أشرنا إليه بأن الأمل يقضي على كل ما هو سيء؟ ففي حالة عبد الكريم، كانت الغلبة في النهاية من نصيب الرحمة وكرم الأخلاق، حيث عبّر المئات من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عن استيائهم من القسوة التي عانى منها هذا الرجُل، وجمعوا له المال واشتروا الهدايا من أجله.

هل سبق وأن شهد العالم لحظات أكثر عطفًا وأخلاقًا قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي؟ في الواقع لا. علاوة على ذلك فإن فرصة العودة بالزمن إلى ما قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تُعادل نفس فرصة إعادة عقارب الساعة للخلف إلى ما قبل ظهور الإنترنت. فوسائل التواصل الاجتماعي ظهرت لتبقى، أو على الأقل إلى حين ظهور بديل “أفضل” منها ليحل محلها، وحتى ذلك الحين ستستمر وسائل التواصل الاجتماعي في نشر البهجة -مثلما تفعل مقاطع تيك توك التي تتسم بالمرح– كما تعمل أيضًا على إثارة أحط الغرائز البشرية. ويُعد تنظيم تلك العملية أمرًا مشكوكًا فيه كعلاج للأمور السيئة، فضلاً عن أن محاولة التحري عن 4.6 مليار شخص من رواد مواقع التواصل الاجتماعي لن يجدي نفعًا. في نهاية الأمر، فوسائل التواصل الاجتماعي مجرد تطبيق يحمل بين طياته الخير والشر.

وعلى الرغم من أن الشر ينتشر بسهولة، إلا أنه علينا التشجيع على فعل الخير، لعلنا بذلك نستطيع أن نُحوِّل الأمل في التغلُب على الشر إلى واقع ملموس.

تُقيم ريم تينا غزال حاليًا في المملكة العربية السعودية، وتشغل منصب رئيس تحرير مجلة إثريات، كما أنها صحفية فازت بالعديد من الجوائز ولديها خبرة 20 عامًا، وفي عام 2003، أصبحت إحدى أولى النساء العربيات اللاتي يُغطين مناطق الحروب في الشرق الأوسط.