الواقع الصعب يحول دون إنشاء منطقة تجارة حرة أفريقية

سيمون أليسون

ما إن يحظى الاتحاد الإفريقي بثقة القارة مرة أخرى، حتى تبدأ القارة فعليًا في بلورة منطقة التجارة الحرة الإفريقية. هذا وقد وقع على اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي والبالغ عددهم “تسع وأربعين” دولة، وصدق عليها بالفعل خمس عشرة “15” دولة – من بينهم دولة “جنوب أفريقيا” وهي ثاني دول أفريقيا من حيث قوة الاقتصاد. ولم يتبقى أمام هذه الاتفاقية، والتي خرجت مسودتها النهائية خلال القمة الطارئة للاتحاد الأفريقي والتي انعقدت العام الماضي في العاصمة الرواندية “كيجالي”، سوى سبع “7” دول حتى تكون ملزمة لأعضائها من الناحية القانونية. ومع ذلك يجب على الاتحاد الأفريقي توخي الحيطة عند إعداد خططه التجارية المتعلقة بتلك الاتفاقية، لأن الأمر لن يستغرق سوى عدة سنوات لاحقة، حتى ينتهي الاتحاد الإفريقي من مناقشة كافة المشاكل العالقة، وربما فعليًا إلغاء الرسوم الجمركية وإزالة المعوقات التجارية، وهذا ما يريده الاتحاد الأفريقي ويسعى إليه.

إن الأرقام المرتبطة باتفاقية منطقة التجارة الحرة المزمع إقامتها على مستوى قارة أفريقيا هي أرقام مذهلة. وبمجرد دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ، فإنها ستكون الصفقة التجارية الأكبر منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية، حيث تضم تلك الاتفاقية خمس وخمسون “55” دولة، وعدد المستفيدين منها “1,2” مليار نسمة، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لها “2,5” تريليون دولار أمريكي. وتشير بيانات الاتحاد الإفريقية إلى أن اتفاقية التجارة الحرة ربما تعزز التبادل التجاري بين بلدان القارة بنسبة مذهلة تصل إلى “52%”. وقال “بول كاجامه”، رئيس رواند، والرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، “ستدخل تلك الاتفاقية ضمن الانجازات الأكثر أهمية في سجل الاتحاد الأفريقي.”

وأعرب ألبرت موشانجا، مفوض الاتحاد الأفريقي، عن ثقته في إنجاز التصديقات اللازمة قبل انعقاد القمة المقبلة للاتحاد الأفريقي والمقرر عقدها في العاصمة الإثيوبية “أديس أبابا” خلال الفترة من 10-11 فبراير. وقال “ألبرت” خلال القمة المنعقدة العام الماضي في “كيجالي”، “إننا نرحب بتلك البداية الملموسة لإنشاء سوقًا أفريقية، وآن لنا أن نودع حقبة الأسواق الصغيرة والمنعزلة والمفككة، ونشير بوضوح إلى أن القارة الإفريقية ليست موطنًا للعزلة أو القومية. وهناك رسالة نوجهها لأنفسنا وبقية دول العام، وهي أننا نحشد استقلالنا وسيادتنا لإنشاء ترابط حيوي بين دول القارة ركيزته السوق الأفريقي.

ورغم جميع الأرقام المثيرة للإعجاب والخطب الرنانة، مازال الطريق طويلاً للوصول إلى مرحلة تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة الإفريقية، ولهذا من الواجب إزالة العقبات الرئيسية قبل أن يتحول حلم التجارة الحرة الإفريقية إلى حقيقة.

ومن أبرز نقاط الضعف التي تقف عقبة أمام هذه الاتفاقية، هي الشكوك حول مشاركة “نيجريا” في هذه الاتفاقية. وكان الرئيس النيجيري “محمد بخاري” يخطط إلى التوقيع على الاتفاقية، غير أنه تراجع في اللحظات الأخيرة بضغوط من النقابات التجارية (وفي تلك اللحظة الأخيرة التي شهدت في حقيقة الأمر توجه موكب الرئيس النيجيري فعليًا إلى المطار، كان الرئيس في طريقة لحضور القمة الإفريقية، وما لبث أن غير وجهته فجأة إلى المطار). وقال الرئيس النيجيري أنه بحاجة إلى إجراء المزيد من المشاورات، وصرح بعدها مغردًا: “لن نقبل بأي شيء يقوض المصنعين والمقاولين المحليين، أو أي شيء يجعل من نيجريا سوقًا للسلع الجاهزة.

ومن المستبعد أن يتضح الأمر أكثر بخصوص موقف نيجريا من اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية إلا بعد الانتخابات الرئاسية والمرتقب عقدها في منتصف الشهر المقبل. وأشار المنافس الرئيسي للرئيس “بخاري، “عتيقو أبو بكر”، أنه يخطط للتوقيع على اتفاقية التجارة الحرة إذا ما انتخب رئيسًا للبلاد، ورغم ذلك، سيضطر بعد فوزه إلى الدخول في صراع مع النقابات التجارية الرافضة للاتفاقية – ولا يستطيع التعهد بالفوز في هذا الصراع. إن غياب الدولة ذات الاقتصاد الأكبر في أفريقيا وأكثرها تعدادًا للسكان سيحد بلا شك من فعالية الاتفاقية التجارية.

ومن المحتمل أن يكون العائق الرئيس الآخر محل خلاف أكثر. ولتسهيل عملية التوقيع على الاتفاقية، وافق الاتحاد الإفريقي على تأجيل قراراته بشأن المسائل التي تشهد انقسامًا خاصًا ومنها بروتوكولات سياسة التنافسية وحقوق الملكية الفكرية وقواعد المنشأ. وبمعنى آخر، ماتزال هناك مفاوضات في قمة الصعوبة حول التفاصيل الفنية لهذه الاتفاقية.

ويوضح “توفي فان لينيب، من مؤسسة “هيلين سوزمان”، إحدى بيوت الخبرة في جنوب إفريقيا، حجم العمل المطلوب لإتمام الاتفاقية. “يجب على وزراء التجارة تقديم برنامجهم على الفور بخصوص امتيازات الرسوم الجمركية والتعهدات الخاصة بالاتجار في الخدمات إلى الجمعية العامة للاتحاد الإفريقي خلال القمة الثانية والثلاثين المنعقدة في “أديس أبابا” [هذا العام]. ويقتضي هذا البرنامج تخفيف القيود الجمركية على “90%” من منتجات كل دولة، فضلاً عن إعداد قائمة بالمنتجات الحساسة المفترض إعفاؤها مؤقتًا من الرسوم الجمركية. وبخصوص التجارة في الخدمات، سيتطلب البرنامج مراجعة كاملة لإطار العمل المنظم للقطاعات الواردة في الاتفاقية من حيث الإعداد وفقًا لكل قطاع فرعي وكل أسلوب، وكذا العروض الأولية للدخول إلى السوق والتي ستكون موضع نقاش فيما بعد. وتأتي المرحلة الثانية، لتضع قواعد للاستثمار داخل القارة ولحقوق الملكية الفكرية ولسياسة المنافسة، وتشكل سياسة المنافسة عنصرًا هامًا لمنع الاحتكار داخل الاقتصاديات الكبيرة، علمًا بأن آخر موعد لتنفيذ هذه المرحلة هو يناير 2020.

وبالنظر إلى مشاركة “49” دولة على الأقل في تلك المفاوضات القادمة، يبدو أن الالتزام بموعد نهائي فكرة طموحة، وهذا أقل ما يقال.

إن اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية فكرة محفزة، وتستأثر عقول الزعماء الأفارقة – واتضح ذلك من خلال تأييدهم للفكرة بصورة كبيرة. ولتنفيذ هذه الاتفاقية، لايزال الاتحاد الإفريقي حتى الآن يتجاهل المحادثات بالغة الصعوبة حول جوهر الاتفاقية، لأنه من المحتمل أن تؤدي تلك المحادثات إلى عرقلة الاتفاقية، وستتجاوز المحادثات مدة الاثنى عشر شهرًا المحددة لإتمام هذه الاتفاقية. إذاً، ومن هذه اللحظة، من المستحسن ألا تعول الشركات على إقامة منطقة تجارة حرة في أي وقت قريب.

AFP PHOTO/ISSOUF SANOGO