التاريخ لا يعفي إسرائيل من الانتقاد ولا يمكن لها إدانة فلسطين كونها عنصرًا مزعجًا تجاه الخطط الكبرى للأمم الأخرى

جوناثان جرونال

AFP photo: Ahmad Gharabli

والواقع أن الفظائع التي شهدتها مذابح الهولوكوست لا يمكن إنكارها، لكن عملية استعادة ذكريات الهولوكوست باتت تُستخدم بشكل متزايد من أجل نزع الشرعية عن أي انتقاد موجه إلى إسرائيل، فالتاريخ بات يُستخدم لتشويه الحاضر.

وفي نهاية إبريل؛ تم نشر كاريكاتير في الطبعة الدولية لصحيفة نيويورك تايمز يظهر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هيئة كلب يقود الرئيس ترامب الذي يظهر وكأنه أعمى يتبع نتنياهو، وخلاصة الكاريكاتير – ان الولايات المتحدة باتت تتلقّى الأوامر وفقًا لمصالح إسرائيل – وقد جاء ذلك عقب قيام ترامب بإصدار مجموعة من القرارات المثيرة للجدل وتصب جميعها في مصلحة إسرائيل، كما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقام بقطع المساعدات عن الفلسطينيين، كما دعم ترامب الادعاءات الإسرائيلية بالسيادة على مرتفعات الجولان، كما ظل ترامب صامتًا إزاء نوايا نتنياهو بضم أجزاء من الضفة الغربية.

وقال أحد كبار فناني الكاريكاتير في إسرائيل ويُدعى  أوري فينك في تصريحات لصحيفة جيروزاليم بوست :يجب علينا أن نتوقف عن لعب دور الطفل البكّاء، أعتقد أن الوقت قد حان للتوقُف عن كوننا شديدي الحساسية، وأن نظهر كالأغبياء بسبب تلك الصورة، أما بالنسبة لرسام الكاريكاتير والمصور زئيف إنجلمير الذي يعمل بصحيفة هآرتز التي تتبع تيار يسار الوسط فإن الكاريكاتير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز كان يضم نقدًا لاذعًا وخبيثًا، وقال إنجلمير :إن هذا الكاريكاتير يعُد نموذجًا للكاريكاتير السياسي لكنه بالطبع ليس مُعادِ للسامية، وبمعنى آخر فإن الكاريكاتير يعزز من الشعور بأن إسرائيل تبحث عن أية مبررات كي تلعب دور الضحية من أجل إسكات منتقديها.

وقد تمت إدانة هذا الكاريكاتير على نطاق واسع باعتباره مُعادِ للسامية، وبالنسبة ل”سبايكد” وهي مجلة سياسية بريطانية تصدر عبر الإنترنت وأحد أشد الأصوات التي هاجمت الكاريكاتير فقد روجت للعبارة المجازية: إن الأقوياء من اليهود يقودون ساسة العالم نحو الضلال، وقد اعتذرت صحيفة نيويورك تايمز عن هذا “الاعتداء.. والخطأ في الحُكم” وقامت بإزالة الكاريكاتير من على صفحاتها.

والشعب اليهودي له ستة ملايين سبب للدفاع عن نفسه ضد أقل أشكال معاداة السامية، لكن ليس جميع اليهود أبدوا موافقتهم على أن الكاريكاتير مُعادِ للسامية.

والواقع أن طريقة معاملة إسرائيل للفلسطينيين أصبحت بشكل متزايد من قبيل التجارة، وفي خطاب له بمدينة القدس في شهر مارس؛ تحدّث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن “خطاب التعصُب” الذي يغطي وجهه عبر التمسُح في اللغة الأكاديمية أو الدبلوماسية أو حتى تلك التي تتعلّق بالسياسة العامة. وبعد ذلك، وفي إطار حديثه أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) قام بومبيو بتوضيح أفكاره حيث قال :دعوني أعلنها صراحة، العداء للصهيونية هو العداء للسامية.

وقد ذهبت الإدارة الأمريكية إلى ما هو أبعد من الخُطب الرنانة، وفي بداية مايو أعلن إيلان كار المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الأمريكية لشؤون مراقبة ومكافحة معاداة السامية أن الولايات المتحدة تقوم بمراجعة علاقاتها مع الحكومات التي تُعتبر معادية لإسرائيل، وأضاف إيلان كار :وهو الأمر الذي أجرينا محادثات صريحة ونزيه بشأنه خلف الأبواب المغلقة.

ومن غير المرجح أن تنضم ألمانيا إلى قائمة “إيلان كار”، ففي الأول من مايو قام البرلمان الألماني (البوندستاج) بتمرير قرار يدين حركة المقاطعة الدولية وأعمال سحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) على أنها معادية للسامية وأنها تذكير بما كان يفعله النازي، وعلى خُطى الحركة التي ساعدت على إنهاء التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، دعت الحركة التي يقودها فلسطينيون إلى مقاطعة مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” في تل ابيب كجزء من الحملة التي تقودها الحركة من أجل وقف دعم “التمييز العنصري والاستعمار الاستيطاني اللذان تمارسهما إسرائيل “، وقد رحب نتنياهو بقرار البرلمان الألماني حيث دعا باقي الدول إلى السير في ذات الاتجاه، أما وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت فقد هنأ ألمانيا على تلك الخطوة وقال في تغريدة على موقع تويتر :إن مقاطعة إسرائيلالدولة اليهودية الوحيدة في العالم هو من أعمال معاداة السامية.

وهناك أكثر من 60 أكاديميًا إسرائيليًا يعيشون في إسرائيل وعدة دول على مستوى العالم أعلنوا رفضهم لقرار البرلمان الألماني، وحذر هؤلاء من خلال خطاب بعثوا به إلى البوندستاج من “النزعة المتصاعدة لإلصاق تهمة معاداة السامية بكل من يدعمون حقوق الإنسان الفلسطيني.

وربما لم يكن الكاريكاتير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز مُعادِ للسامية، لكنه كان غير دقيق، وترامب لا يتبع السياسة الإسرائيلية كالأعمى، والحقيقة أوردها نتنياهو خلال زيارته للمكتب البيضاوي في مارس الماضي، حين قال ان إسرائيل “لم تحظى أبدًا بصديق رائع” في البيت الأبيض أكثر من الرئيس دونالد ترامب وأن العلاقة بينه وبين ترامب “تخدم المصالح الإسرائيلية بشكل لا يمكن وصفه”، وذلك على حد وصف نتنياهو.

والواقع أن تلك العلاقة تخدم مصالح نتنياهو الشخصية، الذي استفاد من دعم ترامب قبل الانتخابات الإسرائيلية التي كان الخطر يحيط بنتنياهو خلالها، حيث استفاد نتنياهو من قرار الرئيس الأمريكي بتأكيد الادعاءات الإسرائيلية بالسيادة على هضبة الجولان، أما ترامب فقد أشار إلى نتنياهو مخاطبًا الأمريكيين في تجمع الائتلاف اليهودي الجمهوري في إبريل قائلًا “رئيس وزرائكم”، ووفقًا لتحليل آرون ديفيد ميلر، وهو متخصص في الشأن الدولي وعمل مستشارًا بوزارة الخارجية الأمريكية، ان تلك الخطوة عادة بالنفع على ترامب أيضًا، وبما أنه رئيس يبحث عن الفوز بفترة رئاسة ثانية في انتخابات نوفمبر 2020 فإن مجموعة السياسات التي قام بها ترامب والداعمة لإسرائيل “قد تم اللجوء إليها من أجل جذب أصوات جمهور الناخبين بما فيهم المسيحيون البروتستانت والجمهوريون المحافظون وعدد هائل من يهود الولايات المتحدة”.

وهناك تساؤل بسيط حول ما إذا كان فقدان الفلسطينيين الثقة في الولايات المتحدة بقيادة ترامب كوسيط نزيه، وأنهم بناء على ذلك لن يذهبوا إلى البحرين في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من يونيو لحضور ورشة العمل الاقتصادية «السلام من أجل الازدهار» التي تنظمها الولايات المتحدة، وكما أشار رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية في تصريحات له في العشرين من مايو فإن “أي حل للصراع العربي الإسرائيلي يجب أن يكون سياسيًا، وأساسه إنهاء الاحتلال، وإننا لن نبيع حقوقنا الوطنية مقابل المال”.

وتلك ليست المرة الأولى التي تُحدّد فيها مصائر الفلسطينيين عن طريق قوى أجنبية، ففي العام 1917 قام مجلس الوزراء البريطاني اليائس بالإعلان عن “دعمه لتطلعات المواطنين اليهود”، وقد جاء ذلك طمعًا من لندن في ضمان وقوف واشنطن إلى جانبها ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، وكذلك بهدف الحصول على دعم المنظمات القوية خاصة في الولايات المتحدة والتي كانت متحمسة لهذا الأمر، فمن ثم فقد كانت النتيجة هي إصدار إعلان بلفور (وعد بلفور) الذي تعهدت فيه بريطانيا بتأسيس “وطن قومي لليهود” في فلسطين، وقد كان ذلك أيضًا يمثل تراجُعًا عن الوعد الذي قطعته بريطانيا بتأسيس دولة عربية مستقلة، والذي أطلقته لندن بهدف ضمان تأييد العرب للندن خلال الحرب مع الإمبراطورية العثمانية، والحقيقة الخاصة بأنه بعد 100 عام من تلك الواقعة فإن الفلسطينيين لازالوا يُعاملون كعنصرًا مزعجًا لخطط الدول الكبرى، والواقع أن هذا لم يجعل الفلسطينيون ينسون ما تعرّضوا له من خيانة.

ولا يمكن السماح للعالم بنسيان الدروس المستفادة من الهولوكوست، لكن اتباع أسلوب ترامب في اللعب بورقة معاداة السامية من أجل إسكات المدافعين عن الأشخاص المضطهدين سيضعف من السُلطة المعنوية لإسرائيل ويبدد الآمال الخاصة بتسوية الصراع، وهو الشيء الضروري إذا ما أراد كل من الإسرائيليين والفلسطينيين إيجاد سبيل للعيش سويًا في سلام.