خط أنبوب الغاز الطبيعي والتحول في العلاقة بين تركيا وإسرائيل

جوزيف دانا

لم تكن العلاقة بين تركيا وإسرائيل واضحة في أي وقت من الأوقات. ومنذ بلورة العلاقة الرسمية بين البلدين في العام 1949 بعد أن أصبحت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل، وجد البلدان أنفسهما على نفس الدرجة من الأهمية لباقي دول الشرق الأوسط. ومع مرور الوقت، أرسلت إسرائيل مساعدات طبية إلى ضحايا الزلزال المفجع الذي ضرب تركيا في العام 1999، وكان البلدان يتبادلان التكنولوجيا العسكرية، وازدهرت التجارة الثنائية بينهما. غير أن صفو العلاقة بين البلدين تعكر بعد ذلك، على الأقل على صعيد التصريحات، إذ بلغت الحرب الكلامية اشدها بين الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” على مدار العقد الماضي، ويبدو أن تلك الحرب تشكل تهديدًا لأسس العلاقة الفريدة من نوعها بين البلدين.

ورغم ذلك، يرى العديد من المراقبين أن التحالف بين البلدين لم يتأثر ابدا، والسبب في ذلك هو حجم التبادل التجاري الهائل بين البلدين.

غير أن كل هذا قد  تغير في الوقت الراهن، حيث أدى اكتشاف حقول شاسعة من الغاز الطبيعي على الساحل الشمالي لإسرائيل منذ أكثر من عشر سنوات مضت، وما تلاها من جهود لتصدير هذا الغاز إلى أوروبا، إلى تسليط الضوء على الصدع الحقيقي في التحالف التركي الإسرائيلي. وتكشف الأحداث الأخيرة أن ثمة تحول كبير لا جدال فيه في التحالف بين البلدين.

وكجزء من صعوده المدهش إلى السلطة، أقنع أردوغان الأتراك بأن تركيا كان لها أن تعود إلى مكانتها الطبيعية كإمبراطورية عثمانية جديدة وعاصمتها “إسطنبول” ذلك القلب النابض. وفي ظل خلفيته الدينية المتحفظة، رأى أردوغان في شخصه أنه السلطان الجديد لدولته العثمانية الجديدة، وأنه القادر على دمج سياسة الاقتصاد الحر الجديدة والسياسات المتحفظة اجتماعيًا. وبينما كان الاقتصاد التركي مزدهرًا، فان هناك بعض الأسباب التي جعلت أردوغان يخلق له عداوات. ففي أواخر العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فتحت أسعار الفائدة المنخفضة جدًا الباب أمام التدفقات النقدية الرخيصة لتمويل المشروعات الضخمة في أنحاء البلاد. ففي إسطنبول، تم التفكير في إنشاء جسر جديد يصل بمضيق البوسفور، ومطار جديد، وخطط لإنشاء قناة بحيرة جديدة.

وانتهجت تركيا شكلاً فريدًا من أشكال القوى الناعمة والذي يعتمد على سياسة “حل المشكلات مع دول الجوار”. وبعد ذلك، اجتاح الربيع العربي جميع المنطقة، ومن منطلق إحساسه بحدوث تغير في ديناميكات القوى في المنطقة، راهن أردوغان على جماعة الإخوان المسلمين، وتبين لاحقا أنه راهن خاسر، وأن سياسة ” حل المشكلات مع دول الجوار” أصبحت شيئًا من الماضي. وفي الوقت ذاته، انتهت فترة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض مع عودة الاقتصاد الأمريكي إلى قوته. وبدأ عجز الحساب الجاري التركي في الارتفاع مع خروج المتظاهرون المناهضون للحكومة إلى الشوارع. ومع تبخر الرؤية العثمانية الجديدة، فقد فعل أردوغان ما فعله الساسة الآخرون في المنطقة، وهو تبني القضية الفلسطينية.

ولأنه أحد أكثر الداعمين وبقوة لحقوق الفلسطينيين في المنطقة، هاجم أردوغان إسرائيل بلا هوادة، وسمح لمركب على متنها نشطاء بمغادرة الشواطئ التركية في محاولة منه لكسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، فضلاً عن نقاشه الدائم مع “نتنياهو بخصوص هذا الأمر. ورغم المتغيرات التي ألمت بالمنطقة، كانت العلاقة الاقتصادية بين البلدين تزداد رسوخًا في تلك الفترة، فرغم المسارات التي تسلكها الخطوط الجوية التركية، يظل أشهرها ذلك المسار الجوي بين إسطنبول وتل أبيب.

وتأخذنا تلك المسألة إلى الغاز الطبيعي الإسرائيلي. ومن المعلوم أن تركيا لا تملك موارد الطاقة الخاصة بها، لكنها تتبوأ موقعًا متميزًا بين أوروبا والمناطق المنتجة للطاقة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وكان من ضمن الأهداف العظيمة لأردوغان هو جعل تركيا مركزًا عملاقًا لنقل الطاقة.

وجاء اكتشاف إسرائيل لحقول الغاز الطبيعي الشاسعة في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ليشكل جزءًا هامًا من الإستراتيجية التي يحلم بها أردوغان. ولأن أوروبا تبحث عن مصادر جديدة للغاز الطبيعي عوضًا عن الغاز الروسي، كان تفكير الاتحاد الأوروبي في الغاز الإسرائيلي. ورغم أن أردوغان ينتقد علانية الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليين مع الفلسطينيين، إلا أن حكومته كانت تسعى جاهدة لإبرام اتفاق مع الإسرائيليين. وفي الوقت ذاته، كانت تركيا تتودد إلى حكومة إقليم كردستان في شمال العراق لإنشاء أنبوب جديد للنفط لنقل النفط الخام عبر الأراضي التركية إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط. ورغم تكثيف الأعمال العسكرية ضد الجماعات الكردية المتمردة، كانت الحكومة التركية تبرم اتفاقًا مع حكومة كردستان العراق لإنشاء خط أنبوب للطاقة في ظل سخط عارم من الحكومة العراقية.

غير أن العام 2018 لم يكن جيدًا للطموحات التركية في مجال الطاقة. وفي خطوة تمثل توبيخًا لاذعًا لأردوغان، وافقت إسرائيل من حيث المبدأ في أواخر شهر ديسمبر على إبرام اتفاق يحظى بدعم أمريكي مع كلٍ من قبرص واليونان لإنشاء خط أنابيب للغاز الطبيعي، وستكتمل الصفقة بأكملها تقريبًا، وعادت تركيا خاوية الوفاض من ثروة الغاز الطبيعي الإسرائيلي، وتشهد بعينها إنشاء خط أنبوب شرق المتوسط والذي يبلغ طوله 2,000 كيلو متر ويمتد من قبرص إلى اليونان على أن يُصدر الغاز بعد ذلك إلى باقي دول الاتحاد الأوروبي. وتبلغ تكلفة إنشاء هذا الأنبوب سبعة “7” مليار دولار، ويصدر سنويًا “20” مليار متر مكعب من الغاز. وفي ظل هذا الأمر، رفضت تركيا وبشدة هذا المشروع، وقالت إنها ستحرك قواتها العسكرية إذا حاولت قبرص استغلال أي مورد للغاز بدون موافقة أنقرة.

وأخيرا ضاق بشركاء أردوغان القدامى ذرعا من خطاباته الطنانة وطموحه الجامح. وبينما كانت إسرائيل تسعى يومًا ما لجعل تركيا مركزًا رئيسيًا لنقل الطاقة، فإنها الآن لا ترى جدوى من تلك الشراكة. واستطاع نتنياهو تكوين تحالفات جديدة مع القادة الأوروبيين من أحزاب اليمين مثل رجل السياسة المجري “فيكتور أوربان”. وصرح دونالد ترامب بأنه سيحمي السياسات الإسرائيلية في فلسطين إلى أقصى درجة ممكنة. وفي ظل الضعف الاقتصادي والجيوسياسي الذي تعاني منه تركيا، لم يعد لديها أي مزايا تذكر.

ولما كان التحالف التركي الإسرائيلي متواصل بشكل أو بآخر، فإن العلاقة بين البلدين، بعد توقيع اتفاقية أنبوب الغاز رسميًا هذا العام بعد الامتثال لللوائح الأوروبية، ستشهد منعطفًا جديدًا لكنه أضعف. وبعد كل هذا، يبقى الاقتصاد دومًا المحرك الحقيقي لحسابات الدولتين.

AFP PHOTO/JACK GUEZ