كيف أسفر سوء إدارة واشنطن عن إعطاء إيران موطئ قدم في بغداد

نبراس الكاظمي

في التاسع والعشرين من أغسطس دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو رئيس حكومة كردستان العراق السابق مسعود برزاني إلى مساندة رئيس الوزراء حيدر العبادي للحصول على فترة جديدة، ووفقاً لمصدر أمريكي قد قام بالاطلاع على تلك المحادثة فإن برزاني لم يتعهّد بمساندة العبادي، وبعد كل هذا فقد كان العبادي هو من أرسل الدبابات إلى كركوك في أكتوبر الماضي رداً على الاستفتاء الكردي المثير للجدل حول الاستقلال عن بغداد، وهو الاستفتاء الذي أيّده مسعود البرزاني، وقد وقفت الولايات المتحدة إلى جانب العبادي هذه المرة، وبدا أن واشنطن نفضت يدها عن القيادة الكردية، والآن فقد اختارت واشنطن البرزاني دوناً عن الجميع كي يصنع لها معروفاً، وقد أنهى مايك بومبيو محادثته مع البرزاني قائلاً:” إذا لم تقل نعم للعبادي لن يصبح الرجُل رئيساً للوزراء“، وقد رد البرزاني بوضوح “ليكن ما يكون“.

والواقع أن سوء الإدارة الأمريكية فيما يتعلّق بالعلاقات السياسية بين الأكراد والسُنّة في العراق لم تسفر فقط عن الفشل في دعم العبادي ولكن انهيار السياسة السُنِيّة سمح للإيرانيين باجتذاب الساسة السُنّة إلى معسكرهم.

وقد تمحورت السياسة الأمريكية في العراق خلال العام الماضي حول هدف واحد: الحفاظ على العبادي رئيساً للحكومة، لذا فقد كان من المفاجئ عدم بذل المجهود الكافي من أجل الإعداد لتلك العملية، وقد تم إيعاز مهمة تحقيق تلك الأهداف إلى المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية “بريت ماكغورك” والذي تم تعيينه في أكتوبر من العام 2015، والذي قدّم الدعم للعديد من الإدارات العراقية على مدار 15 عاماً، وهناك قصة خفية فيما يتعلّق بالنداء الذي أطلقه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، ووفقاً لتسريبات ظهرت في العديد من وسائل الإعلام الناطقة بالعربية فإنه خلال آخر مقابلة تمت بين ماكغورك والزعيم الكردي فقد ضغط المسئول الأمريكي على البرزاني من أجل دعم العبادي، وربما تم ذلك بطريقة غير مهذبة حيث قاطعه البرزاني قائلاً: “لا يمكن لك التحدُث معي بتلك الطريقة”.

وقد سيطرت على بغداد فكرة أن ماكغورك ليس على وفاق معه، كما أن مقترح المسئول الامريكي بإبعاد البرزاني أدّى إلى القضاء على المهمة الأمريكية، وربما هذا ما يفسر تدخُل بومبيو وقيامه بدور الوسيط، والذي قام بإطلاق تغريدة في الأول من سبتمبر مؤكداً على أن ماكغورك كان في بغداد ممثلاً لبومبيو وللرئيس دونالد ترامب وأن ماكغورك “قام بعمل عظيم”، وأضاف بومبيو أن “قيام حكومة عراقية قوية على أسس قومية هو أمر جوهري فيما يخُص إنزال الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية”.

وفي ذات اليوم أجرى بومبيو مكالمة هاتفية أخرى مع نائب الرئيس العراقي إياد علاوي الذي كان حينها في زيارة إلى أربيل العاصمة الإقليمية للأكراد، وقد بدا واضحاً أن تلك المكالمة أيضاً لها علاقة بمجهودات واشنطن لإقناع الأكراد، وقد ذهب علاوي لمقابلة البرزاني بناء على اقتراح من ماكغورك، وذلك من إجل إعطاء بغداد انطباعاً بأن كتلة سُنِيّة كبيرة قد ألقت بثقلها خلف العبادي، وأنه إن لم يقُم الأكراد بخطوة ما فسوف تنقطع علاقتهم بتلك القضية، وعلى أي حال فقد أعلن العبادي أن مجهوداته أيضاً قد باءت بالفشل.

وقد كان بصحبة علاوي اثنين من القادة السُنّة وهما نائب رئيس الوزراء سابقاً صالح المطلك ورئيس البرلمان سابقاً سالم الجبوري، وبالنسبة للبرزاني فإن القادة الثلاثة هُم عبارة عن تشكيلة غريبة تحاول الوصول لهدف ماكغورك وهو دعم حيدر العبادي الذي قام بطرد كل من المطلك وعلاوي من مناصبهم بشكل غير رسمي في العام 2015 كجزء من حزمة الإصلاحات التي تمّت على عجل، ولم يفعل الأمريكان شيئاً من أجل التدخُل أو حفظ ماء الوجه فيما يخُص المطلك أو علاوي، والواقع أنه لم يكن ماكغورك وحده مؤيدا لقرارات العبادي حيث أرسل فريق ماغورك رسالة مفادها أن القادة القوميون السُنّة مثل المطلك ورئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي قد فقدا مصداقيتهما ويجب أن يتقاعدا عن المشهد السياسي في مرحلة ما بعد تحرير الموصل.

وقد ارتكزت خطة ماكغورك حول تعزيز القاعدة الشعبية للقيادة السُنِيّة ورفع تلك القاعدة تدريجياً للمستوى القومي، وقام ماكغورك بالتركيز على المحافظين والقادة المحليين الذين قاموا بإدارة الأراضي السُنِيّة التي تم استعادتها من الجهاديين، وبات الجبوري هو القائد القومي الوحيد الذي قام بالتحول حيث أن القادة الجدد يستطيعون التجمُع برعايته فقط، وعلى مدار العام 2017 كانت هناك مجهودات لاستضافة مجموعة متنوعة من المؤتمرات ببغداد والعواصم الإقليمية بغرض تكليف الجبوري بهذا الدور، لذا فإن على البرزاني أن يجمع بين كل تلك المتناقضات في اللجنة التي ستكون أمامه، حيث زاد تردد الرجُل فيما يتعلّق بكل من العبادي وماكغورك.

وكذا فإن على البرزاني أن يكون على يقين من أن الأمور لم تسير كما خطط لها ماكغورك، فقد قام الجبوري بخوض الانتخابات تلك المرة في بغداد بدلاً من ديالى مسقط رأسه وبصفته الرجُل رقم 2 في قائمة إياد علاوي، حيث خاض الانتخابات تلك المرة كمرشح يتبنى المفهوم الليبرالي وليس كعضو في الحزب الإسلامي (الإخوان المسلمين)، وفشل الرجُل في الحصول على أي مقعد، والواقع أن المجموعة الجديدة من البرلمانيين الذين يمثلون السُنّة هي مجموعة متنوعة، والعديد من القادة القوميين أثبتوا أنهم لا تزال لديهم القدرة على الفوز، وهناك عدد من القادة القوميين الأساسيين الجدد والذين كان يعلق عليهم ماكغورك آمالاً قد فازوا أيضاً، لكن لا توجد هناك رؤية محددة أو سُلطة تستطيع توجيه هؤلاء، وبعضهم أثبت استعداداً مبكراً لتملُق الإيرانيين.

والواقع أن الكتلة التي تمثل السُنّة اليوم تعاني من التمزُق كما أنها تتسم باللامبالاة، وهناك سببين رئيسيين لذلك وهما: فشل الحكومة المركزية خاصة مجلس وزراء العبادي في وضع رؤية محددة فيما يتعلّق بسُنّة العراق في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة الإسلامية، وكذا التأثير على القادة السابقين كما حاول ماكغورك، ولهذا لم يتم دعم الكتلة السُنِيّة خلال تعيين ماكغورك، ومع التردد الذي ظهر عليه مسعود البرزاني فإن المعسكر المعارض للعبادي والذي يبدو أنه مدين بالفضل للإيرانيين والذي يقوده رجال مثل نوري المالكي وقائد لواء بدر الموالي لطهران هادي العامري، والذين قد يتمكنوا من السيطرة على 33 – 38 من أعضاء البرلمان السُنّة لدعم مجهودات هذا المعسكر من أجل تشكيل حكومة جديدة.