كيف يمكن للحوم المُصنّعة أن تساعد على حل مشكلة الأمن الغذائي بمنطقة الشرق الأوسط

جوناثان جرونال

إذا ما سألت أي طفل عن معرفته بحديقة الحيوان فستجد أن الأسود والنمور والأفيال في قائمة اهتمامات هذا الطفل، وحاول أن تطرح ذات السؤال بعد 25 عاماً سوف تجد أن الدجاج والماعز والأبقار قد انضموا للقائمة، والواقع أن اختفاء حيوانات الحقل من الأراضي الطبيعية التي تقع بالمناطق الريفية سيكون من أخطر النتائج التي قد تساهم في طفرة ثورية في تكنولوجيا إنتاج الغذاء التي تعد بإنهاء اعتماد البشرية على الثروة الحيوانية للبروتين.

وقبل 5 أعوام، قام علماء من هولندا بعقد مؤتمر صحفي لعرض أول لحم بقري (بيف برجر) على مستوى العالم ينمو داخل المعمل، وقد قام البروفسير “مارك بوست” وزملاؤه بجامعة ماستريخت Maastricht بتطوير تقنية مُعيّنة تسمح بنمو الأنسجة العضلية عبر خلايا جذعية مُستخرجة من الأبقار الحية، وقد تمت دعوة المهتمين بالطعام لتذوّق اللحم ومن ثم أعلن هؤلاء أن “تلك هي المرة الأولى على مستوى العالم التي يوجد فيها لحم دون ذبح” بحيث يمكن تناوله أو صناعة البيرجر منه، ومنذ ذلك الحين بدأت عدة مؤسسات على مستوى العالم في دخول المنافسة لإنتاج وطرح تلك التكنولوجيا التي ستقلب الموازين في الأسواق  ، ويقول داعمي تلك الفكرة أن لديها الإمكانية لإنهاء المجاعات على مستوى العالم، وإنهاء القلق بدول الشرق الأوسط، الغنية بالنفط والفقيرة في المياه، فيما يتعلّق بالأمن الغذائي، مما سيغير من الاثار المتوقعة لظاهرة الاحتباس الحراري.

والواقع أن تلك الادعاءات ليست بالهيّنة، لكن الآن، وبعد أن أوشكت اللحوم (المستنبتة) المُصنّعة على مغادرة المختبر والظهور إلى الوجود، ووفقاً لإحدى الشركات بمدينة سان فرانسيسكو فإن هذا المشروع سيخرج إلى العالم الحقيقي للمرّة الأولى بحلول نهاية العام الحالي، لذا فإن هذا المشروع يستحق الفحص والتدقيق بصورة أقوى.

لكن تبقى العديد من القضايا التي يجب حلّها فيما يتعلق بتلك التكنولوجيا، حيث بات الاهتمام يتركّز حول كيفية التغلُب على العقبات التنظيمية وتطوير المجهودات داخل المعامل حتى يتم الوصول إلى مرحلة الإنتاج الصناعي.

ومن المُرجّح أن تتمثّل العقبة الكبرى، فيما يتعلق بتقنية “اللحم الذي ينمو داخل المعمل”، في الذوق العام المجتمعي، فالبشر من أكلة اللحوم ينكرون الحصول على اللحوم من الحيوانات التي يقوموا بتربيتها، وفي ذات الوقت نشتري لأطفالنا ألعاباً مصنوعة من الفرو بينما نطعمهم من نفس الحيوانات التي نحصل منها على هذا الفرو، والآن وبينما نحن نشعر بالراحة نظرا لعلمية الوهم الذاتي التي نقوم بها، فقد أثبتت الدراسات أن الكثير منا يرفض استهلاك اللحوم المُصنّعة، وبالطبع فهناك انعدام للثقة بين المستهلك وبين ما اعتادت وسائل الإعلام على شيطنتها ووصفها ب”أطعمة فرانكن”، وعلى الرغم من الميزة الواضحة لمحاصيل الهندسة الوراثية؛ والتي يمكن معالجتها من أجل زيادة الإنتاجية، وجعلها قابلة للتكيُف مع الأرض القاحلة ومقاوِمة للآفات، فإن الطعام المُعدّل وراثياً مستمر في الصراع للعثور على مكان في سلال التسوق لدينا.

لكن بالنظر للمكاسب المُحتملة التي يمكن الحصول عليها من تلك التقنية الجديدة للشركات والدول بل والعالم أجمع، فانه لن تصمد أي عقبة في طريق تصنيع اللحوم.

إن عملية القضاء على المجاعة على مستوى العالم الذي يصل تعداده الآن إلى 7.5 مليار نسمة؛ والذي من المتوقع أن يصل إلى 11.2 بحلول العام 2100؛ يجب أن توضع في قائمة الإيجابيات، فلن يكفي الحصول على اللحوم من الحيوانات البالغة، وقد ذكرت دراسة صدرت عن معهد البيئة بجامعة مينيسوتا في العام 2014 أن التخلي عن لحوم الحيوانات التي تعتمد في غذائها على الزراعة التي تستخدم حاليا لتسمين الماشية سيحرر من المحاصيل ما يكفي لإطعام أربعة مليارات شخص.

وقد تم تصميم اللحوم المُصنّعة لتظهر أصغر من الحجم المعتاد، وتلك اللحوم ستكون أيضاً خياراً صحياً، حيث أن تلك العملية ستعود بالنفع على المدى الطويل بالنسبة للدول التي تصارع من أجل التأقلُم مع التكاليف الخاصة بالعناية بكبار السن الذين تزيد نسبتهم مقارنة بالتعداد العام، والذين يعانون من مشكلات صحية مضاعفة، تماماً مثل دول الشرق الأوسط.

إن البرجر “المصنع” والمنتجات المُشابِهة من الممكن لها أن تُنقِذ العالم، ففي عام 2015 صدر تقرير عن المعهد الملكي للشئون الدولية “تشاتام هاوس” Chatham House، يفيد بأن غازات الاحتباس الحراري المنبعثة من تربية الماشية تُمثِل نسبة 14.5% من مجموع غازات الاحتباس الحراري على مستوى العالم، “حيث أن نصيب تلك الغازات المنبعثة من تربية الماشية تعادل النسبة المنبعثة من حرق وقود جميع السيارات على مستوى العالم”.

لكن بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، خاصة الدول المتاخمة للخليج العربي، والتي تستورد مُعظم المواد الغذائية من الخارج؛ فإن هناك سبباً واضحاً وعاجلاً يدفعها إلى تبنّي سياسة إنتاج اللحوم داخل حدود تلك البلاد، وهذا السبب هو أن تلك العملية ستكون بمثابة حل مُحتمل للمشكلة المزمنة الخاصة بالأمن الغذائي.

وهناك بعض الدول الغنية بالنفط التي تحاول ترضية ذاتها عبر الاعتقاد أن تلك الدول تملك ما يكفي من الأموال للتغلُب على المشكلة العالمية الخاصة بنقص الطعام، وذلك من خلال شراء الطعام بأعلى الاسعار، وحيث أن دول الخليج تستورد 90% من حاجتها من الطعام، فإن الشراء بأعلى الأسعار المعروضة تعد بمثابة عملية مُكلِفة وغير دائمة، وقد ذكرت وحدة الاستخبارات الاقتصادية EIU أنه بحلول العام 2020 فإن فاتورة استيراد دول الخليج للطعام سوف تصِل إلى 53.1 مليار دولار، وقد بلغت تلك الفاتورة 25.8 مليار دولار في العام 2004.

لكن “الاستيراد بأيّ ثمن” ليس أيضاً استراتيجية آمنة ، وقد اكتشفت دول الخليج ذلك خلال أزمات الغذاء العالمية التي اندلعت في الأعوام 2007 – 2008 و2010 – 2011، والواقع أن أسعار النفط والطعام ترتفع أو تنخفض بشكل متزامن، وقد بات واضحاً أنه مهما زادت الأموال لا يمكن لها التغلُب على عقبة الحظر الشامل على الصادرات الذي يفرضه المصدرون التقليديون للحبوب واللحوم، مثل الهند وفيتنام والأرجنتين.

وكنتيجة لكل هذا، تم الإقدام على خطوات لتأمين إمدادات الطعام عبر شراء الأراضي الزراعية خارج الحدود، لكن مرة أخرى، فإن تلك الاستراتيجية مثيرة للجدل ومُكلِفّة بشكل متزايد، وهي عبارة عن حل مؤقت لمشكلة طويلة الأمد، حيث أن تلك المشكلة تتفاقم مع الزيادة السكانية.

وحينما يتعلّق الأمر بالاستدامة، فإن دول الخليج تشتهِر بالتفكير خارج الصندوق، وبالأخص الإمارات العربية المتحدة، حيث أنها تنظر إلى المستقبل بعين العقل فيما يتعلّق ببدائل النفط، فقد أقدمت على الاستثمار على نطاق واسع لبدائل دائمة للوقود الحفري، ولهذا حدثت تطورات مشابهة في هولندا الأسبوع الماضي وبحيث سيؤدي هذا إلى دق الأجراس ببعض المؤسسات مثل هيئة أبو ظبي للاستثمار.

وفي السابع عشر من يوليو أعلنت شركة موسى ميت Mosa Meat، التابعة لجامعة ماستريخت وهي شركة رائدة في هذا المجال، عن تخصيص 7.5 مليون يورو من أجل تسويق هذا المُنتج المُبتكر، والمستثمر الرئيسي هو مجموعة “بل فود” السويسرية، وهي إحدى أكبر الشركات التي تعمل في معالجة اللحوم على مستوى قارة أوروبا.

وإذا لم تستطع صناديق الثروة السيادية في دول الخليج العربي أن تتغلّب على نفسها وتقوم بالاستثمار في التقنية التي ينتظرها مستقبل مشرق وهي تقنية اللحوم المُصنّعة؛ فإن ذلك سيكون سببا لتضررهم ضررا بالغا.

AFP PHOTO/OLI SCARFF