كيف يمكن للثقافة أن تحارب “الفن” الذي يستخدمه الإرهابيون؟

ريم قاسم

AP Photo: Karim Sahib

من المؤلم مشاهدة عملية تدمير الآثار التي لا تُقدّر بثمن، لكن الحزن بسبب تلك العملية لا يمكن مقارنته بالفزع م يمكن أن يفعله الإنسان باخيه الإنسان، وقد شعرت بالصدمة والاشمئزاز حين شاهدت مقطع فيديو يتضمن عملية إعدام الطيار الأردني “معاذ الكساسبة” التي قام بها عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في يناير من العام 2015، وقد كان هذا عملًا همجيًا من الطراز الأول، وقد جعلني هذا أفكر في أنه يجب علينا جميعًا – بغضّ النظر عن من نحن أو ماذا نفعل – الاشتراك في الحرب ضد الشر الذي يفعله الرجال والنساء لبعضهم البعض، وقد كان من الصعب تخيُل مقطع الفيديو هذا، والآن فقط استطعت أن أستوعب مسألة الازدراء التام لمقطع الفيديو والاشخاص الذين قاموا بإنتاجه، ولفترة طويلة؛ وكوني امرأة تعمل في مجال الفنون والثقافة؛ لم أكن سوى متفرجة على عملية الحرب على الإرهاب، فإنا لست جندية أو مقاتلة، لكنني لم أعد أفكر بتلك الطريقة، فقد اثر الإرهاب على كافة نواحي الحياة واقحم نفسه لخدمة قضيته، لذا فإنه سيكون من الأفضل أن نواجه تلك السموم في كافة مناحي الحياه.

ومثل الكثيرين، فلقد شاهدت فيديو الإعدام ليس بسبب أنني قد قمت بالبحث عنه، لكن هذا الفيديو ظهر في حافظة رسائلي وبحيث يظهر وكأنه مقطع فيديو آخر، لكن بمجرد مشاهدتي لمقطع الفيديو – وشعوري بالغثيان جراء تلك المشاهدة – فقد بات عليّ أن أشاهده مرّات ومرّات، ولم يكن هذا من قبيل المغامرة الصبيانية، بل لأنني كنت بحاجة لدراسة كيفية سرقة الإبداع وتوظيفه لخدمة الأهداف الحقيرة للبشر.

وخلال مشاهدتي للفيديو؛ حاولت أن أضع نفسي مكان الشخص الذي قام بتصويره، الشخص الذي قام بتوجيه الكاميرا واختيار زوايا التصوير والموسيقى، وفي البداية لم أريد أن أصدق نفسي، لكن الواقع أن صانع الفيديو تعامل معه كما يتعامل أي شخص عادي مع أحد المشاريع الإبداعية، وأيًا كان هو أو هي أو هم؛ لا يمكن لنا إنكار المهارات التي تم توظيفها من أجل التأثير في الجمهور، تلك المهارات التي نشأت عبر التقاليد الثقافية، لكنها الآن يتم توظيفها لخدمة الهمجية، كيف يمكن أن نصِل إلى هذا الحد؟.

فالثقافة تحتاج الوقت – والوقت الضروري – من أجل تطويرها؛ إنها تتطلب سنوات من رعاية الفنانين والكُتّاب والراقصين وهكذا، لكن المهارات والأدوات المطلوبة لنقل المزايا الخاصة بنا – فضلًا عن تسامحنا تجاه الاختلافات الرائعة – تلك الأدوات تبدوا الآن مثل تلك التي نستخدمها لنشر أدنى الرذائل بين الآخرين، وقد باتت الأدوات الثقافية بمثابة أسلحة يستغلها المتطرفين الذين يملكون أدنى الصفات الدنيئة المشتركة.

وكي يقوموا بتفادي الخطأ، فهُم يستخدمون الإبداع لنشر الخوف والإرهاب، ويعمدون إلى الكشف عن اكثر الصور فظاعًة من أجل التأثير على العقول بشكل سريع اليوم من أجل التاثير على أجيال الغد، وبحيث تكون هناك أجيال تتربى على العنف – سواء من خلال مواجهة العنف أو مجرد مشاهدته – والاقتصار على المشاعر المؤذية، وفي الوقت نفسه؛ فإن البعض سيتم الدفع بهم إلى الجانب المظلم.

وهناك مغني الراب الألماني “دينيس كوسبرت” المعروف باسم “ديسو دوج”، والذي تخلّى عن الموسيقى بعد أن أقسم على الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبات يُعرف باسم “أبو طلحة الألماني”، والآن فإنه يستخدم موهبته الخاصة بإنتاج مقاطع الفيديو من أجل تشجيع وتمجيد التطرف الإسلامي، وقد كان هناك شخص اهتم برسالة “أبو طلحة الألماني”ويُدعى “آريد يوكا” وهو ألباني من كوسوفو يعيش في مدينة فرانكفورت الألمانية، وقد قام “يوكا” بقتل جنديين أمريكيين وإصابة اثنين آخرين بإصابات بالغة في مطار فرانكفورت خلال العام 2011، وحينما تم القبض عليه اعترف بأنه معجب بمغني الراب وأنه تأثّر به بشكل كبير.

وفي تونس؛ قام تنظيم الدولة بعمل مظاهرات في شكل عروض مسرحية، باستخدام الرموز والحركة والموسيقى، وبحيث كان الأداء تقليديًا، وخلال تلك المظاهرات التي جرت في الميادين العامة قام هؤلاء باستبدال العلم التونسي بالراية الخاصة بالتنظيم، وبشكل لا شعوري باتت تلك المسألة تتم بصورة علنية.

وفي أفغانستان؛ حينما كانت حركة طالبان تحكم البلاد قامت بمنع الموسيقى، واليوم؛ فإن أعضاء الحركة يقومون بتوزيع الأغاني والرنات الخاصة بالهواتف المحمولة والتي تدفع بالناس إلى تبني قضية الحركة.

وقد حان الوقت للثقافة من أجل اتخاذ موضع الهجوم العكسي، لكن كيف؟، لن يكون ذلك بالأمر السهل، والكثيرين سيقولون أن هذا أمرًا ساذجًا، وحتى الآن فإن الثقافة تتمتع بالقوة ولكن بطريقتها الخاصة التي تتسم بالبراعة – وهي بالتحديد نفس الطريقة البارعة التي ينجح المتطرفون في استغلالها، لذا فإن علينا أن نعمل من أجل استعادة المزايا التي نتمتع بها – هويتنا الأساسية – وأن نعمل على تحدي الروايات الخطرة التي يعمل المتطرفين على نشرها.

وهذا يشمل؛ بداية؛ جعل الثقافة بمثابة حجر الزاوية في المناهج بجميع المدارس، وعدم اقتصار تلك العملية على الأنشطة التي تتم بعد المدرسة، وأن نعمل على إدراك تلك العملية بشكل غير روتيني، ويجب أن تحظى تلك العملية بأهمية كبيرة لدينا، تمامًا مثل أهمية الرياضيات والعلوم لاقتصادنا، إن المزايا الكبرى التي نتمتع بها تعمل على تقوية قاعدة الجذب الخاصة بنا، كما أنها تعمل على تحصيننا ضد الأكاذيب التي تتخفى وراء عباءة الدين.

ومن ثم فإنه يجب توفير مداخل مجانية لعملية الثقافة، ولا يتعلق هذا فقط بالمجانية المالية كلما أمكن، لكن أيضًا أن نقوم بإزالة العقبات التي تواجه عملية نشر الثقافة، وبعبارات موضوعية؛ فإن هذا يعني التحرر من الأشكال الخانقة الخاصة بالرقابة – وأن نتمتع بالإرادة والحرية من أجل فتح نقاشات حول ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وكي نتناقش حول الحدود الثابتة الخاصة بحُرِيّة التعبير، وهذا يعني أن الحكومات بات عليها ألا تقوم بمنع كل شيء، لكن عليها بدلًا من ذلك أن تبحث عن أساليب منطقية تعمل من خلالها على توفير الحرية للفنون.

والحقيقة أن الفرق بين البيئة الثقافية الصحية والتنوع الضار الذي يتمتع به المتطرفون هو عملية توظيف الأسباب، ومن أجل أن نصبح في مركز القيادة فإننا نحتاج إلى الإرادة السياسية لوضع سياسات تؤكد على أن الثقافة وجميع القوى التي تتمتع بها سيتم استخدامها من أجل تطور البشرية وليس لتدميرها، وعبر تحرير الثقافة بواسطة النقاشات المنطقية يمكن لنا إبطال مفعول السموم التي يتمنى المتطرفون نشرها عبر قيامهم بالاستيلاء على الأدوات الفنية.