كيف أدت الصهيونية السياسية إلى تعريض المجتمعات اليهودية في الخارج لخطر معاداة السامية

جوزيف دانا

AFP photo: Abir Sultan

لم يكن “تيودور هرتزل” يريد إقامة دولة يهودية في فلسطين، أو على الأقل؛ لم يكن هذا هو الهدف في البداية، فقد كان الصحفي النمساوي، الذي أصبح فيما بعد الأب الروحي للصهيونية السياسية، مندمجًا بشكل كامل داخل المجتمع في مدينة فيينا، وقد رأى أنه من الافضل ان يندمج اليهود مثله كما لو كانوا في وطنهم الاصلي، وعلى أي حال، فقد ظل المجتمع الأوربي ينظر إلى الجالية اليهودية نظرة الشك، فكيف يمكن لشخص يهودي أن يكون فرنسيًا أو ألمانيًا يتمتع بالولاء للأرض التي يعيش عليها؟، يتساءل الكثيرون، بعد أن أقسم هذا الشخص على الولاء لليهودية. وبعد مائة عام، فإن هذا السؤال المسموم لا يزال يتردد صداه في الغرب، تمامًا كما حدث بسبب الخلاف الذي اندلع جراء تصريحات عضوة الكونجرس الأمريكي “إلهان عمر”، وسوف يستفيد أي شخص يسعى إلى فهم السياسة والصراعات الخاصة بإسرائيل الحديثة كي يفهم السبب الحقيقي وراء تلك المعضلة.

وقد تمثل رد الفعل اليهودي الساحق من أجل القضاء على معاداة السامية خلال القرن العشرين في تعميق عملية تكامل هؤلاء اليهود مع المجتمع الأوربي، فقد تأكّد اليهود أنه لا يوجد تعارض بين كون الشخص يهوديًا وفي ذات الوقت مواطنًا فخورًا بوطنه، وعلى أي حال فقد كان لدى “هرتزل” فكرة أخرى، فبدلًا من النضال كي يصبح اليهود مواطنين ينتمون للمجتمعات الأوربية؛ فقد دعا “هرتزل” إلى إقامة دولة يهودية تكون على قدم المساواة مع الأمم الأوربية، أما مسألة الولاء المزدوج – حسب رأي “هرتزل” – سوف تتلاشى من تلقاء ذاتها حين تصبح الدولة الصهيونية وطنًا لليهود على مستوى العالم.

وعلى الرغم من أن تلك الفكرة كانت جيدة للغاية، إلا أنها أدت إلى اعتناق مفهوم العداء للسامية ومؤداه أن اليهود لا يجب عليهم، أو أنهم لن يستطيعون أن يكونوا مواطنين لدول غربية علمانية. وبدلًا من رفض القومية الأوربية؛ فقد اعتنق “هرتزل” تلك المسألة بغرض إقامة دولة يهودية على الطراز الحديث، ولهذا السبب، بالاضافة الى أسباب أخرى، فقد قامت غالبية اليهود على مستوى العالم برفض الصهيونية في أوائل القرن العشرين، وعلى الرغم من نجاح الحركة الصهيونية في إقامة دولة في العام 1948؛ فإن الاتهامات بالولاء المزدوج لم تذهب أدراج الرياح، كما كان واضحًا خلال النقاشات التي جرت في واشنطن.

وقد كان لدى التصريحات التي أدلت بها عضوة الكونجرس الجديدة “إلهان عمر” هذا الشهر، والتي تساءلت فيها عن ولاء مؤيدي اللوبي الإسرائيلي في واشنطن؛ صلة مباشرة مع التاريخ القبيح الخاص بتهمة الولاء المزدوج، واستحضارًا للصورة البغيضة الخاصة بقضية “دريفوس”، حين تمت محاكمة ضابط يهودي في الجيش الفرنسي، عندم ثارت سكوك في ولاء الضابط اليهودي، وهي القضية التي سيطرت على أوربا وأدت إلى إعادة تشكيل الأفكار الخاصة بتيودور هرتزل.

وبعيدًا عن مسألة البدء في نقاش يتسم بالقبح؛ فقد قامت “إلهان عمر” بتذكيرنا بتلك القضية العالقة والخاصة بالقومية اليهودية المعاصرة لكن بطريقة أكثر قسوة، وطالما تم اتهام يهود أمريكا بتهمة الولاء المزدوج، وذلك بسبب مساندتهم لدولة إسرائيل، وقد قامت إسرائيل بتدعيم تلك التهمة عبر ادعاءها تمثيل اليهود على مستوى العالم بغضّ النظر عن جنسيتهم، والخطر الموجود اليوم لا يتمثل في التصريحات الفظة التي يطلقها الساسة من أمثال “إلهان عمر”، لكنه يتمثل في الدور الذي تقوم به الحكومة الإسرائيلية والأيديولوجية الصهيونية خلال تلك النقاشات، وكذا فإن الخطر يتمثل في انتشار الأشكال الخطرة من القومية، وهو الدور الذي يصعب فهمه، كما أنه نادرًا ما تتم مناقشته.

وتتمحور العقيدة الصهيونية حول مفهوم مؤداه أن مكان اليهود هو في إسرائيل وليس في الغرب، تمامًا كما يرى أعداء السامية في الغرب أنه لا مكان لليهود في المجتمعات غير اليهودية، ويرى الصهاينة أنه لا مكان لليهود سوى في دولة إسرائيل، لذا فإنه ليس من الغريب أن نرى الكثير من الشعبويين من تيار اليمين يساندون إسرائيل، كما يتم الترحيب بهؤلاء بحرارة في تل أبيب.

وهناك خيوطًا متشابكة تشمل النقاشات الخاصة بمسألة الولاء المزدوج، وعبر ادعاءها بتمثيل اليهود باتت إسرائيل قادرة على مواجهة الانتقادات الخاصة بقراراتها السياسية، وذلك عبر اتهام الغير بالعداء للسامية، وعبر هذا الأسلوب سعت إسرائيل إلى الدفاع عن سياستها المتبعة ضد الفلسطينيين.

وبشكل منتظم سعت إسرائيل إلى موازنة تصرفاتها مع الشعب اليهودي على مستوى العالم سواء كان هؤلاء يحملون الجنسية الإسرائيلية أو لا يحملونها، وقد أدى هذا إلى ظهور صورة دائمة تتسم بالخطر لعملية الولاء المزدوج، مما أدى في السنوات الأخيرة إلى محاولة يهود أمريكا – على سبيل المثال – إلى العمل الشاق من أجل نفي تلك التهمة عن أنفسهم.

وبالنسبة ليهود أمريكا؛ فإن الولايات المتحدة هي موطنهم الذي يريدون أن يعيشوا فيه للأبد، وقد تعمقت النقاشات حول الولاء المزدوج لهؤلاء بينما ثارت تساؤلات حول أمن وأمان يهود أمريكا، وبما أن الشعب اليهودي لم يقم أبدًا بانتخاب إسرائيل كي تقوم بتمثيله، وبما أن الشعب اليهودي لم يقم أبدًا بالادعاء أن إسرائيل هي وطنه القومي، فيمكن لنا التأكيد على أن الصهيونية تعمل على نشر صورة تتسم بالخطورة حول الولاء المزدوج لليهود على مستوى العالم.

وهذا يعود بنا إلى تصريحات “إلهان عمر”، فقد سارع الكثير إلى إدانة تلك التصريحات باعتبارها تغلق الطريق أمام النقاشات حول إسرائيل، لكن إلقاء اللوم على “إلهان عمر” سيعطي الكثير من الاهمية للطريقة التي تفهم بها عضو الكونجرس تلك المسألة، والحجر العثرة التي تقف في طريق فتح نقاشات حول إسرائيل تتمثل في إسرائيل ذاتها، والحقيقة أن تصريحات “إلهان عمر” والسقطات التي تبعتها جعلت المسألة في صدارة اهتمامات وسائل الإعلام، وأدت إلى شقاق داخل الحزب الديمقراطي حول القضايا السياسية الرئيسية قبل الانتخابات الرئاسية القادمة (وتعد قضية الولاء المزدوج بمثابة مسالة لا يمكن حلها).

والنقاش الصادق، والأكثر صعوبة، يتعلق بكيف أن الصهيونية عملت على نشر فكرة أن العداء للسامية في الوقت المعاصر سيعمل على تهديد مستقبل اليهود في المجتمع الأوربي، وهي فكرة أن الشعب اليهودي يجب أن يظل حبيسًا داخل دولته، وهذا المفهوم يعُد من صميم العقلية الصهيونة، كما أن القليل هم من يتصدون للآثار السلبية لتلك العملية على أمن وأمان المجتمعات اليهودية على مستوى العالم، والتي تعيش خارج حدود إسرائيل.

وصعوبة النقاش حول إسرائيل تعود إلى الخلط في جميع المسائل بين اليهود وبين دولة إسرائيل، كما يعود إلى ردود الفعل الهستيرية للحكومات الإسرائيلية على أي شكل من أشكال النقد البنّاء، و”إلهان عمر” لا تعُد سوى نقطة صغيرة داخل نقاش كبير، علاوة على ذلك؛ فإن التركيز بشكل كبير على “إلهان عمر” أدى إلى إهمال الإشكالية الخاصة بالعلاقة بين الصهيونية والولاء المزدوج، وبينما هدأت العاصفة التي أثارتها تصريحات “إلهان عمر”؛ فمن الواضح أنه لم يطرأ تغيير على القضايا الأساسية. ويجب على من يحرصون على مناقشة الآثار السلبية للصهيونية ان ينتظروا  حتى تأتي فرصة حقيقية من أجل النضال ضد تلك القضايا الصعبة.