كيف ينجو الشرق الوسط بنفسه من الاضطرابات التي تشهدها التجارة العالمية

أفشين مولافي

قبل بضعة أشهر، ضرب إعصار مدمر أحد الشواطئ الممتدة في ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية، ودمر الإعصار فعليًا جميع المنازل التي مر عليها – باستثناء أمرًا واحدًا، وهو أن ثمة منزل واحد ظل راسخًا وسط الركام، أي أن المنزل سليم تقريبًا باستثناء بعض التلفيات هنا وهناك. والأمر لم يكن من قبيل الصدفة. وعندما حضر حشود الإعلام إلى موقع الإعصار، فإنهم توجهوا، كما هو متوقع، إلى أصحاب المنزل الذين وصفوا جهودهم المضنية لبناء منزل يمكنه الصمود في وجه “الأعاصير المدمرة”.

وفي الوقت الحالي، يجب على الدول والمدن والشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اتخاذ الاحتياطات المماثلة في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي التي يواجهها الاقتصاد العالمي غير المستقر. وليس في هذا الكلام إشارة إلى أن ثمة إعصار مدمر يلوح في الأفق، بيد أن الرياح ستكون عاتية خلال العام 2019، وبالأخص، على التجارة العالمية، ولسنا في مأمن من هذا الإعصار. وفي تلك الظروف، هناك أربعة مسائل ذات أهمية، وهي: الثقل السياسي والتنوع والمدى الجغرافي والإبداع.

وتقدم شركة موانئ دبي العالمية، وهي المشغل للموانئ العالمية وتتخذ من دبي مقرًا لها، نموذجًا طيبًا في هذا الأمر. وأعلنت موانئ دبي، وهي رابع أكبر مشغل موانئ في العالم، عن زيادة قدرها “1,9%” في حجم الحاويات في العام 2018 بالرغم من الرياح التجارية المعاكسة والتي نتجت عن تباطؤ الاقتصاد الصيني، والنزاع التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والخلاف بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي، وأوروبا التي تعاني من بطء النمو الاقتصادي. وأعلن سلطان بن سليم، رئيس مجلس إدارة شركة موانئ دبي العالمية، أن النمو الاقتصادي الكبير في تركيا والمملكة المتحدة وكندا سيحمي الشركة من تباطؤ الاقتصاد في أي مكان في العالم.

وتنتشر شركة موانئ دبي العالمية في أربعين “40” دولة حول العالم في ست قارات. وتمتلك الشركة أو تدير “78” رصيفًا بحريًا أو بريًا ابتداءً من منطقة أفريقيا الجنوبية وصولاً إلى أمريكا اللاتينية، ومن المحيط الهندي وصولاً إلى بحر الصين الجنوبي. واشترت الشركة مؤخرًا حصة الأغلبية في واحدة من أبرز الموانئ الصينية. وتمتلك شركة موانئ دبي العالمية الثقل السياسي والتنوع والمدى الجغرافي، ومن شأن هذا الأمر أن يحميها من الأمطار الغزيرة والإعصار المحتمل. وفي ظل عدم قدرة أي شركة أو دولة أو مدينة على الصمود في وجه الأزمات المالية والاقتصادية التي تشبه الإعصار، فمن الأهمية بمكان إنشاء التصميم المعماري “لمواجهة الإعصار الأعظم”، والاستعداد لركوب الموجة التالية.

وفي حين أن العديد من شركات القطاع الخاص تبدو غير قادرة على النمو الموسع، فإن شركة موانئ دبي العالمية تمتلك الخبرة في ذلك، ومن ثم تستطيع تلك الشركات الاستفادة من شركة موانئ دبي العالمية بصفتها مشغل للموانئ. وتواكب شركة موانئ دبي العالمية دومًا أحدث وسائل التشغيل. وفي آخر زيارتين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، زرت جبل علي، وهو الميناء الرئيسي لشركة موانئ دبي العالمية. وفي كلتا الزيارتين، تفقدت المنشئات والشركات الخاصة العاملة في الميناء، وكانت الرسالة واضحة، وهي “الإبداع أو الفشل”.

وفي إحدى زياراتي الأخيرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، أخبرني أحد الأشخاص الخبراء في أعمال الشحن بسبب عمله في الموانئ في الشرق الأوسط أن “ميناء جبل علي غير راضٍ عن إنجازاته”. ويسعي الميناء دومًا إلى تحديث أنظمته وبنيته التحتية ومواكبة أحدث الوسائل التكنولوجية وتطبيقها”. وهناك سبب ما جعل من ميناء جبل علي الميناء الأفضل في الشرق الأوسط للعام واحد وعشرين “21” على التوالي وذلك خلال المؤتمر الآسيوي لسلاسل الإمداد والخدمات اللوجيستية تحت رعاية صحيفة “Cargo News Asia”.

ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة تسعى على نطاق واسع إلى التنوع الجغرافي. وفي إحدى زيارتي الأخيرة إلى دبي وأبوظبي، تحدثت مع عدد كبير من المسؤولين التنفيذيين والمديرين حول الاتجاهات الاقتصادية في المستقبل، وهناك كلمتان وردتا مرارًا وتكرارًا، وهما: الصين والهند. وبدءًا من جهاز أبوظبي للاستثمار وغرفة تجارة دبي، تعقد الشركات الإماراتية استثمارات مع الصين والهند بسرعة. ورغم أن تأثر الإمارات العربية المتحدة بالاقتصاد الآسيوي ليس وليد اللحظة، إلا أنه في ازدياد على مدار الخمس سنوات الماضية، وبالأخص، على الصعيد السياسي. وفي حين أن اهتمام الاقتصاديين ينصب على تدفقات رأس المال والمورد البشري والتدفقات الاستثمارية، فمن الأهمية بمكان أيضًا البحث عن تدفقات كبار المسؤولية ورئيس الدولة. وفي هذا الصدد، نجد أن النمو الاقتصادي بين دولة الإمارات العربية المتحدة والهند والصين قد بلغ عنان السماء.

وتحتاج دول شمال أفريقيا إلى الاستفادة من درس التنوع الجغرافي. ومازالت العديد من دول شمال أفريقيا حتى الآن تعتمد بدرجة كبيرة على نمو الاقتصاد الأوروبي لتنمية صادراتها، والسائحين الأوروبيين لتنمية قطاع السياحة لديها. وإذا استمر الاقتصاد الأوروبي في التباطؤ، فستظهر تداعيات هذا التباطؤ على دول شمال أفريقيا جميعها بدءًا من الدار البيضاء وصولاً إلى القاهرة. وتحتل دول شمال أفريقيا موقعًا متميزًا لتكون جسرًا نحو منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وهي المنطقة الأكثر حداثة والأسرع نموًا في العالم. ورغم قصص النجاحات الهائلة التي حققتها منطقة أفريقيا جنوب الصحراء على المستوى التجاري، إلا أنها تواجه مشكلة جسيمة وهي البطالة بين الشباب وإقدامه على الهجرة إلى أوروبا عن طريق دول شمال أفريقيا.

إن العبء الديمغرافي الذي تعاني منه منطقة أفريقيا جنوب الصحراء قد يكون أيضًا نعمة ديمغرافية للدول والمدن والشركات القادرة على الاستفادة من النمو في هذه المنطقة.

ومن الدروس القاسية على الفشل في الازدهار في تلك البيئة الحالية، ذلك النموذج الواضح والمتمثل في المملكة المتحدة، حيث تواصل فوضى الخروج من الاتحاد الأوروبي في الإضرار بواحدة من أعظم قصص النجاح التجاري والاقتصادي في الحقبة الحديثة. وأعلن صانعو السيارات والبنوك الاستثمارية العالمية عن انسحابهم من المملكة المتحدة وسط حالة من عدم اليقين السياسي، في الوقت الذي يهدر فيه بعض من أفضل العقول في الحكومة البريطانية موهبتها على كيفية التحرر من شريكهم التجاري الأكثر قيمة وهو الاتحاد الأوروبي.

والدرس هنا هو أن التنوع الجغرافي والثقل السياسي والابتكار والمدى الجغرافي من الدعائم التي تعين الشركة أو المدينة أو الدولة في الأوقات العصيبة. ومع غروب الشمس في المملكة المتحدة، فإنها تشرق على تلك الشركات والمدن والدول التي تستخلص العبر من تلك الدروس وتطبقها كما يجب.

AFP PHOTO/MARIO TAMA/Getty Images