كيف سيرسم تراجع الولايات المتحدة ملامح الخلاف حول سد النيل

دنيانيش كامات

Image courtesy of Amanuel Sileshi / AFP

من المتوقع أن تتصاعد حدة التوتر بين إثيوبيا ومصر حول السد المثير للجدل والمبنى على ضفاف النيل الأزرق خلال الأشهر القليلة المقبلة، حيث يمثل موسم الأمطار المرحلة التالية من مراحل ملء الخزان، ويمثل هذا النزاع أحد أخطر القضايا الدبلوماسية المثيرة للحيرة على مستوى العالم، في وقت تفاقم فيه التغيرات المناخية من قضية ندرة المياه. ومن المرجح أن يصبح هذا الصراع رمزًا للتحولات المستمرة بعيدًا عن النظام العالمي أحادي القطب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، كما أنه من المتوقع أن تشهد هذه المرحلة الانتقالية ظهور الصين في المناطق التي انسحبت منها الولايات المتحدة أو أهملتها، فضلاً عن ظهور تجمعات إقليمية متعددة الأطراف من شأنها إدارة الأمن الإقليمي الجماعي.

وبدأت إثيوبيا في توليد الكهرباء من سد النهضة الإثيوبي في شهر فبراير من هذا العام، على الرغم من احتجاجات دول المصب وهي مصر والسودان، ويُعد السد مشروع رئيسي لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يحتاج أن يرى المشروع على أرض الواقع الآن أكثر من أي وقت مضى، كما سيعطيه السد فرصة لإثارة المشاعر القومية، خاصة وهو يعاني من حرب أهلية مدمرة في تيغراي فضلاً عن اقتصاد متعثر. وفي الجانب الآخر، سيواجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اضطرابات سياسية في الأشهر المقبلة بسبب تعرض الاقتصاد المصري بشكل خاص للتداعيات العالمية الناتجة عن حرب أوكرانيا، وبعد أن وصف السيسي السد باعتباره تهديدًا وجوديًا لمصر، فإن استكماله من قبل إثيوبيا يحمل تكاليف سياسية باهظة عليه، ولكن لا يقدر السيسي ولا الرئيس الأثيوبي ” آبي أحمد ” الزج بأنفسهم في أتون حرب من أجل السد.

وقد واجهت إثيوبيا انتقادات شديدة وعقوبات من الولايات المتحدة بسبب نزاع تيغراي، وتعتقد أديس أبابا أن واشنطن تميل نحو الجانب المصري في شأن قضية السد، وعليه لم تعد الولايات المتحدة تعتبر وسيطًا محايدًا، على الأقل من المنظور الأثيوبي. وعلاوة على ذلك، فإن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مشتتة للغاية بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، والقضايا المرتبطة بالصين، حيث لا تولي اهتمامًا للتوترات المتزايدة بين مصر وإثيوبيا، وسيكون من دواعي سرور الولايات المتحدة نقل المشكلة من عاتقها إلى عاتق حلفائها في دول الخليج، الذين يحافظون على علاقات جيدة مع الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا.

ومع ذلك، فإن عدم وجود مشاركة نشطة من قبل الولايات المتحدة هي إشارة أخرى على أفول نفوذها العالمي ونذير يُنذر بالانتقال بعيدًا عن عالم تهيمن عليه قوة عظمى واحدة، في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن المبعوث الخاص لإدارة بايدن للقرن الأفريقي استقالته بعد ثلاثة أشهر فقط من توليه منصبه، وسلفه أيضا استقال بعد أقل من عام على عمله، وتلك الاستقالات هي علامة أخرى على التحول الجذري في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ولا سيما تجاه المنطقة.  واتخذت إدارة بايدن موقفا متعاطفا مع القاهرة حول موضوع السد إلى الآن، ومن غير المرجح أن تتخذ موقفا أكثر حيادية لأن الولايات المتحدة حريصة على أن تصدر مصر الغاز إلى أوروبا في ظل الجهود الأمريكية والأوروبية لخفض واردات الغاز الروسي. إن تقليص النفوذ الأمريكي حول موضوع النزاع على سد النيل يمهد الطريق لأن تلعب الصين دوراً أكثر أهمية في القضية وفي المنطقة بشكل عام.

وقد مولت الصين السد ولديها استثمارات تجارية كبيرة في إثيوبيا وأصول متعلقة بالأمن في القرن الأفريقي، كما أنها تدعم نظام عبد الفتاح البرهان في السودان، وتعد الصين مستثمر كبير في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، حيث استثمر السيسي رأس مال سياسي كبير. واستخدمت بكين، إلى جانب موسكو، مرارًا وتكرارًا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لمنع الإدانة الشديدة لسلوك إثيوبيا في حرب تيغراي، ومن المرجح أن تكثف الصين جهودها لدعوة القاهرة والخرطوم وأديس أبابا إلى طاولة المفاوضات. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تبرز الصين كقوة كبيرة في منطقة القرن الأفريقي وتزيد من نفوذها في مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، وفي حين عكست السياسة الخارجية لإدارة باين في القرن الأفريقي حيرة وارتباك، فقد قام المبعوث الخاص الصيني المعين مؤخرًا إلى المنطقة بجولة في العديد من البلدان في شهر مارس وأعلن أن بكين ستستضيف مؤتمر سلام مخصص للمنطقة في هذا العام.

وسيسمح تصاعد التوترات حول السد في ظل تضاؤل ​​الوجود الأمريكي لدول المنطقة بالسعي إلى خلق تكامل أوثق في المسائل الأمنية، وبدون حل فوري لقضية السد، فمن المرجح أن تسعى مصر إلى تكامل أقوى مع السودان لتشكيل جبهة موحدة ضد إثيوبيا، وسيعمل هذا أيضًا لصالح نظام البرهان في الخرطوم، لا سيما منذ الانقلاب العام الماضي الذي أطاح بالحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون. وقد زار البرهان القاهرة الأسبوع الماضي واتفق البلدان على التنسيق بشأن سد إثيوبيا، ويمكن أن تستفيد حكومة البرهان من الخبرة الفنية والتعاون الذي وعدت به القاهرة خلال زيارته، كما أنه من المرجح أن تقدم دول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل الدعم للسودان وتستخدم علاقاتها مع الخرطوم ومع أديس أبابا للمساعدة في التوسط في حل لنزاع السد، ويمكن أن تصبح دول مجلس التعاون الخليجي محاورًا قيِّمًا للصين، حيث اختارت بكين ضمان الإنجاز الناجح لمشاريع الحزام والطريق في القرن الأفريقي والشرق الأوسط الأكبر. وبهذه الطريقة، يمكن للصين أن تحل محل الولايات المتحدة أو تنافسها كقوة مهمة في المنطقة.

وبناء عليه، لن تكون قضية السد إشارة على دنو شمس العالم الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة فقط، بل ستكون أيضًا جس نبض هام لطموحات الصين كقوة عظمى.

 

دانيش كامات هو محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا، كما أنه مستشار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للهيئات الحكومية والقطاع الخاص.