تستثمر دول الخليج المنتجة للنفط في الهيدروجين، ولكن لن يكون ذلك كافيا كبديل عن الوقود الأحفوري

فناند ميليكسيتيان

AFP photo: Jean-Francois Monier

يواجه منتجو النفط والغاز في الشرق الأوسط لحظات حاسمة بالتزامن مع جريان العالم في اتجاه الانتقال إلى الطاقة المتجددة بدل من الوقود الأحفوري، فكيف يمكن الابتعاد عن اقتصاد لا يزال يعتمد بشدة على الوقود الأحفوري؟ وأحد الخيارات المتوفرة هو رؤية التحول إلى الطاقة النظيفة كفرصة، وتتمثل استراتيجية الخروج من هذا المأزق، وهو الحديث الذي أثار الكثير من النقاش مؤخرًا، في توظيف احتياطيات الغاز وضوء الشمس الوفير في إنتاج غاز الهيدروجين، لكن حسب تحذير البائع، إذا جاز التعبير.  ومع اختلاف صناعة وسوق المنتجات المستدامة اختلافًا جوهريًا عن تلك المرتبطة بالوقود الأحفوري، فلا يوجد تأكيد على أنه يمكن استبدال النفط والغاز بالكامل بـ “الجزيئات الخضراء”. 

وفي الوقت الراهن، فإن أسعار النفط والغاز الطبيعي مرتفعة على نحو مرضي للمصدرين، وعليه فالحكمة التقليدية تشير إلى غياب الحافز لزيادة الاستثمارات في بدائل النفط، ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، سيصل الطلب العالمي على النفط إلى مستويات ما قبل الوباء قبل نهاية هذا العام. ومن المرجح نمو الطلب عليه في السنوات القادمة، ومع ذلك، فإن المنتجين الخليجيين غير راضين عن كل ذلك وينظرون إلى ما بعد المدى المتوسط.

ومن ناحية أخرى، سيشهد الأسطول الحالي من السيارات ومحطات الطاقة استخدامًا أكبر للوقود الأحفوري مع انتعاش النشاط الاقتصادي بعد التباطؤ الناجم عن كوفيد-19، لكن عملية التخلص الكربون تحدث بسرعة كبيرة لدرجة أنه من المحتمل رؤية الكثير من احتياطيات الوقود الأحفوري الحالية متبقية تحت الأرض، وفي الغالب سيكون الطلب المستقبلي على الوقود الأحفوري من البلدان الفقيرة العاجزة على الاستثمار في إنتاج الطاقة المستدامة.

وتهدف الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي إلى الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2050، وقد اقترحت المفوضية الأوروبية مؤخرًا سياسات تهدف إلى تقليل صافي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 55 في المئة على الأقل بحلول نهاية العقد، وتتفاوض الولايات المتحدة على مشروع قانون واسع النطاق للبنية التحتية، والذي، في حال تمريره في شكله الحالي، سيقلل بشكل جذري من اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الأحفوري. وثانياً، تعهدت الصين بالوصول إلى حياد كربوني بحلول عام 2060، ثم هناك اقتصادات صغيرة في شرق آسيا، من سنغافورة إلى تايوان وكوريا الجنوبية وصولاً إلى اليابان. وعليه، فإن الطلب على النفط والغاز في الشرق الأوسط، وخاصة من أوروبا وشرق آسيا، سينخفض ​​بشكل حاد.

وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن الانتقال إلى الطاقة المستدامة يتوقف على تنمية جانب الطلب، ففي حين أن منتجي النفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والمنتجين من خارجها هم من يتحكمون في أسعار النفط (على الرغم من أنها أقل بكثير مما كانت عليه في السبعينيات)، فإن المستخدمين النهائيين للطاقة المستدامة هم من سيحددون ثروات الموردين. وبناء عليه، فإن نوعية الطلب تشكل السياسات الصناعية طويلة المدى لمنتجي الوقود الأحفوري اليوم. ومن المنظور الحالي، سيكون من المنطقي للغاية أن يستخدم منتجو الوقود الأحفوري مواردهم – التي من شأنها أن توفر عوائد متناقصة – لتوفير احتياجات الطاقة الخضراء.

وتعتبر الاحتياطيات الكبيرة من الغاز الطبيعي في منطقة الخليج فرصة جيدة لإنتاج “الهيدروجين الأزرق” المشتق من الميثان. ففي هذه العملية، يتم فصل الميثان إلى هيدروجين وكربون، ثم يتم التقاط الأخير وتخزينه، وتعتبر الصحاري ذات الكثافة السكانية المنخفضة في المنطقة مكان مثالي لمزارع الطاقة الشمسية الضخمة القادرة على توليد الكهرباء والتي تستخدم لإنتاج “الهيدروجين الأصفر” من خلال التحليل الكهربائي للمياه.

واستثمرت الإمارات العربية المتحدة في استراتيجية تركز على الهيدروجين الأزرق، والهدف الرئيسي لسلطنة عمان هو مصنع الهيدروجين الأخضر المستقبلي في محافظة الوسطى بقيمة 31 مليار دولار، بينما تخطط المملكة العربية السعودية لاستثمار 5 مليارات دولار في مدينة المستقبل نيوم الواقعة في الشمال الغربي لإنتاج “الهيدروجين الأخضر” من التحليل الكهربائي الذي يعمل بالطاقة الشمسية والرياح بحلول عام 2025.

ولكن، من غير المرجح أن يكون الهيدروجين بديلاً كليًا لصناعة النفط والغاز في منطقة الخليج لثلاثة أسباب وهي:

أولاً، مستوى الاعتماد على الواردات في بلدان المستخدم النهائي غير مؤكدة بعد، في حين أن هناك ضرورة لاستيراد النفط والغاز، فإن حجم واردات الهيدروجين غير مؤكدة لأنه يمكن إنتاجه في أي مكان في العالم طالما هناك كهرباء، ولا يمكن استبعاد إمكانية إحياء الصناعة النووية لتشغيل التحليل الكهربائي لإنتاج “الهيدروجين الوردي” (ولا حتى استبعاد احتمال إن الكهرباء التي تعمل بالطاقة النووية ستغني عن الحاجة إلى الهيدروجين في المقام الأول). فبينما يعتمد الوقود الأحفوري على الجيولوجيا، فإن الهيدروجين يعتمد على التكنولوجيا، وهنا وجب التذكير أن الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون. 

ثانيًا، لا تحتكر منطقة الخليج مناخًا مناسبًا للهيدروجين الأخضر، فدول مثل تشيلي وأستراليا وإسبانيا، على سبيل المثال لا الحصر، مستعدة لتصبح مُصدرة لناقل الطاقة.

وأخيرًا، تعتزم شركتا غازبروم وروساتوم الروسيتان إعادة توظيف البنية التحتية لخطوط الأنابيب الممتدة مع أوروبا لتصدير الهيدروجين الأزرق والوردي في المستقبل القريب.

وفي حين إن النفط والغاز سيصبحان حتماً أقل قيمة في المستقبل، فلا يوجد تأكد على إن الأشكال البديلة للطاقة من منتجي الوقود الأحفوري الحاليين في الخليج يمكن أن تقدم قيمة أكبر للقطاع الصناعي، ولهذا السبب، سعى كبار منتجي النفط في الخليج إلى ضخ أكبر قدر ممكن من النفط لملئ صناديق بلدانهم بالمال، مع استكشاف أشكال مختلفة من التنويع الاقتصادي، وفي هذه الحالة، يعتبر الهيدروجين، الذي يبدو أنه استحوذ على خيال العديد من الصحفيين، مجرد استراتيجية واحدة في ترسانة أسلحة تتطلب العديد من العناصر.

ولم يكن من المفيد أبدًا محاولة فهم الشرق الأوسط من خلال منظور النفط، كما لا يمكن فهمه من خلال الحماس المفرط المصاحب للهيدروجين.

يعمل فناند ميليكسيتيان في وكالة المشاريع الهولندية، حيث يساعد في تطوير بروتوكول لنشر الهيدروجين في المدن والبلدات، وعمل سابقًا في شركة توتال  و فاتنفول ، ومع شركات أخرى من شركات الطاقة.