هزيمة حركة نور الزنكي المعارضة، وإبراز سيطرة “هيئة تحرير الشام” في سوريا على القوات الثورية

حايد حايد

نزلت هزيمة حركة نور الدين الزنكي على يد حليفها السابق، هيئة تحرير الشام، كالصاعقة على كل من يراقب المشهد السوري عن كثب. ورغم تواضع قوة “حركة نور الدين الزنكي”، إلا أنها كانت تعتبر واحدة من أقوى الفصائل المقاتلة في شمال سوريا، وذلك لما تتميز به القيادة المركزية للحركة من تنظيم قوي فضلاً عن ولاء مقاتليها والدعم المحلي لها. وكانت الحركة من أنجح الجماعات الثورية التي تصدت لتجاوزات “هيئة تحرير الشام”. بيد أن التحول المفاجئ في مصير هيئة تحرير الشام أظهر مرة أخرى القوة الصلبة للجماعة الملهمة بالطريقة السلفية، وقدرتها على السيطرة على أعدائها باستخدام إستراتيجيات فرق تسد. وعلى نفس القدر من الأهمية، أظهرت هزيمة حركة الزنكي مدى هشاشة التحالفات بين المجموعات الثورية وداخل الفصائل نفسها، وسهولة تعرضها للخيانة.

وبدأ العدوان على حركة الزنكي في اليوم الأول من هذا العام، وانتهى بطرد حركة الزنكي سريعًا من المناطق التي تسيطر عليها في ريف إدلب على يد هيئة تحرير الشام، هذا ولم يستغرق القتال سوى أربعة “4” أيام، وبعدها انسحب قوات الزنكي إلى مناطق عفرين والتي كانت خاضعة للنفوذ التركي، ومن ثم استطاعت هيئة تحرير الشام السيطرة على إدلب والأسلحة الثقيلة. وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي حدث؟

وكشف الصراع الأخير عن الطبيعة المعقدة للتحالفات المتقلبة بين المجموعات الثورية في سوريا. وكانت حركة الزنكي واحدة من أقدم المجموعات المسلحة التي تشكلت في العام 2011، وكانت بالفعل جزءًا من تحالف هيئة تحرير الشام عند إنشائها، رغم أنه يُعرف عنها بأنه مجموعة معتدلة مقارنة بالمجموعات العاملة تحت لواء هيئة تحرير الشام كجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا. وانهار هذا التحالف، وسرعان ما نشب النزاع بين حركة نور الدين الزنكي وهيئة تحرير الشام في أغسطس العام 2017، ومنذ ذلك الحين والعداوة قائمة بينهما.

وبلغت التوترات بين المجموعتين ذروتها في الثامن والعشرين “28” من ديسمبر من العام الماضي، وذلك عندما اتهمت هيئة تحرير الشام حركة نور الدين الزنكي بقتل مقاتلي الهيئة في مدينة تلادهغرب حلب. ورغم توصل الطرفان إلى اتفاق سلام في “31” ديسمبر، حركت هيئة تحرير الشام قواتها وهاجمت مناطق حركة نور الدين الزنكي في اليوم التالي وباغتت أعدائها على حين غفلة. وفي محاولة يائسة للدفاع عن نفسها، انتشر مقاتلو الزنكي على عدة جبهات دون التنسيق فيا بينهم على إستراتيجية للدفاع، فضلاً عن القدرات اللوجيستية البسيطة. وبعد نشر أكبر عدد من قواتها وأفضلهم، سيطرت هيئة تحرير الشام وبسرعة على معاقل حركة نور الدين الزنكي كمدينة “دار عزة” و”عنجرة”، فضلاً عن قاعدة “الفوج 111” الرئيسية.

ويعود جزء من هزيمة نور الدين الزنكي إلى اعتمادها الخاطئ على حلفائها السابقين، والذين فشلوا في الوفاء بوعودهم. وفي أغسطس العام 2018، انضمت حركة نور الدين الزنكي إلى الجبهة الوطنية لتحرير سوريا والمدعومة من تركيا، وبهذا تكون حركة الزنكي نظريًا تحت مظلة ما يعتبر أنه أكبر مجموعة مسلحة في سوريا، وبهذا تستطيع حركة نور الدين الزنكي رأب الصدع مع تركيا، وفتح أفق جديدة للحصول على تمويل من أنقرة أو بواسطتها.

وفي بداية الصراع الذي وقع في شهر يناير، جاء رد الجبهة الوطنية لتحرير الشام سريعًا عندما استدعت جميع قواتها. ورغم ذلك، كانت الحملة التي شنتها بعض فصائل الجبهة الوطنية لتحرير الشام حملة محدودة – وبعبارة ألطف – فشلت تلك الحملة في الضغط على هيئة تحرير الشام للتصدي لهجومها. وفي حقيقة الأمر، لم يتعدى الرد – الذي حدث – من معظم مقاتلي الجبهة الوطنية لتحرير الشام – بشكل لا يصدق – إلى أكثر من مجرد إطلاق بيانات على وسائل التواصل الاجتماعي. وماتزال الأقوال تتضارب بشأن تفسير هذا التقاعس في الرد.

إن الأمل – والذي اتضح لاحقًا أنه سراب – الذي عولت عليه حركة نور الدين الزنكي في أن يأتي إليها الحلفاء لمساعدتها قد أضر كثيرًا بالتحضيرات الدفاعية للحركة، فضلاً عن فشل الحركة في توفير مواردها وانتهجت خطة للدفاع عن أراضيها بمفردها.

والأكثر أهمية من ذلك هو قدرة هيئة تحرير الشام على التأثير بنجاح في المجتمعات والفصائل الموالية لحركة نور الدين الزنكي. فبمجرد بدء القتال، بدأت هيئة تحرير الشام في إبرام صفقات محلية مع المدن الخاضعة لسيطرة الحركة كمدينة “كفر داعل” و”عويجل”، وعرضوا عليها وغيرهم من حلفاء الزنكي الحماية مقابل عدم المشاركة في القتال. وفي بعض الحالات، اشتملت تلك الاتفاقيات على منع وصول تعزيزات إلى قوات الزنكي وجبهتها الداخلية.

وأسوأ ما في الأمر، هو أن هيئة تحرير الشام أبرمت الصفقات نفسها لتحييد مقاتلي حركة نور الدين الزنكي المنتشرة على الجبهات الأمامية لمواجهة النظام السوري في ضواحي حلب. وبالرغم من الهجوم على زملائهم المقاتلين ومدنهم، لم يترك هؤلاء المقاتلون مواقعهم أو أعادوا انتشارهم لمواجهة عدوان هيئة تحرير الشام. ومازال فحوى الاتفاق بين هيئة تحرير الشام وهؤلاء المقاتلون غير معلوم حتى الآن، غير أن البعض اتفق على الانضمام إلى هيئة تحرير الشام أثناء القتال أو بعده. وفي المقابل، أعلنت هيئة تحرير الشام بعد تحقيق النصر أنها ستدفع أموال للمقاتلين الذين لم يغادروا مواقعهم.

ومن خلال تطبيق إستراتيجية التقسيم والتحييد التي تتبعها مع أعدائها، مدنيين ومقاتلين، وتمكنت بها من هزيمة “حركة نور الدين الزنكي” مثلما حدث في هذه الحالة، استخدمت هيئة تحرير الشام نفس الإستراتيجية مرارًا وتكرارًا ضد المجموعات الثورية الأخرى مثل “أحرار الشام” وحركة “حزم” وغيرها من المجموعات الثورية. وفي الحملة المتوقعة في القريب العاجل على “صقور الشام” في ريف إدلب، من شبه المؤكد أن تتبع هيئة تحرير الشام الإستراتيجية نفسها. وبسبب قوتها العسكرية الضخمة، لا يمكن للمجموعات الثورية الباقية التصدي لأي هجوم قادم إلا من خلال بناء تحالفات قوية وحقيقة بينهم وبين المجتمعات المحلية وذلك لحماية بعض بعضًا. وفي غياب تلك التحالفات، ستواصل هيئة تحرير الشام الانقضاض على خصومها واحدًا تلو الآخر.

AFP PHOTOP/OMAR HAJ KADOUR