خلال الحرب على فيروس كورونا، هناك نماذج من الإمارات تُظهِر أهمية شبكات العمل الدولية

أفشين مولافي

AFP photo: Karim Sahib

تخيّل أنك حاكم ولاية أمريكية أو تشغل منصبًا هامًا في قطاع الصحة العامة خلال فترة انتشار وباء كورونا (كوفيد-19)، وأن لديك عجز في الأقنعة الواقية وأدوات اختبار المرض ومعدات الحماية، والرئيس يحضك على المنافسة والوصول للأفضل في ظل السوق المفتوحة، ماذا ستفعل حينها؟.

ستبدأ في النظر خارج حدود الولايات المتحدة، ستنظر إلى الدول المعروف عنها أنها تملك اقتصادات متقدمة في أوروبا وآسيا، وقد قامت ولاية ميريلاند مؤخرًا باستيراد 500 ألف من آلات اختبار فيروس كورونا من كوريا الجنوبية، وهناك ولايات أمريكية أخرى – آخرها كارولينا الجنوبية – قامت باستيراد كمامات من الصين.

وعلى أي حال فإن ما حدث في نيفادا مؤخرًا هو خروج عن المسار الطبيعي، فقد كانت ولاية نيفادا تبحث عن شريك لتأسيس مختبر يستطيع إنتاج كميات هائلة من أدوات اختبار فيروس كورونا، لكن هل قامت ولاية نيفادا بعمل شراكة مع اليابان المعروف عنها أنها تملك تكنولوجيا متقدمة؟، أو مع كوريا الجنوبية والصين بما تملكانه من خبرة في إجراء اختبارات فيروس كورونا؟، أو ربما مع ألمانيا التي تعُد عملاقًا في مجال الصناعات الطبية؟، والإجابة بالنفي؛ فقد قامت ولاية نيفادا بالاشتراك مع مجموعة “جي 42” الإماراتية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي أخذت على عاتقها تنفيذ البرنامج الضخم لإجراء اختبارات فيروس كورونا على مستوى الإمارات العربية المتحدة.

ومُعظم الخبراء أكّدوا على أهمية إجراء اختبارات فيروس كورونا على نطاق واسع لتقليل الأضرار الناتجة عن هذا الوباء التاريخي الذي نشر الخراب على مستوى العالم. وقد ظهرت الإمارات العربية المتحدة باعتبارها إحدى القوى الرائدة في مجال إجراء اختبارات فيروس كورونا المستجد على المستوى القومي، حيث وصل معدل إجراء اختبارات الفيروس إلى 35 ألف اختبار في اليوم الواحد، وتعُد الإمارات ضمن أكثر الدول التي تقوم بإجراء اختبارات الفيروس قياسًا على عدد السكان، حيث تحتل أحد المراكز الثلاثة الأولى على مستوى العالم، ويعُد هذا الأمر بمثابة مفاجأة لمُعظم دول العالم، بل أنه سيكون مفاجأة لهؤلاء الذين يعرفون الإمارات العربية المتحدة باعتبارها مُنتِجًا رئيسيًا للنفط أو أنها دولة رائدة في التجارة والسياحة ومركزًا للخدمات اللوجستية، والواقع أن واحدة من الثورات التي شهدتها الإمارات العربية المتحدة على مدار السنوات العشر الماضية تتمثّل في الابتكار فيما يخص العلوم والتكنولوجيا.

ثم أن هناك مسألة الحُكم، فالحكومات على مستوى العالم تواجه تحديات غير مسبوقة تتصدى لها المؤسسات والقادة في تلك الدول. وفي كوريا الجنوبية نجحت إدارة الرئيس مون جاي-إن بشكل كبير في التعامل مع أزمة فيروس كورونا، وكان الحزب الديمقراطي الحاكم الذي ينتمي له الرئيس قد حقق انتصارًا كاسحًا في الانتخابات العامة التي جرت هذا الشهر، حيث حصل على غالبية من الأصوات لم تشهدها البلاد منذ 30 عامًا.

والواقع أن دولًا مثل كوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة قد أظهرت مستويات عالية من المهارة في التعامل مع تلك الأزمة. وحتى الثامن والعشرين من إبريل كانت الإمارات قد أعلنت تسجيل 82 حالة وفاة بسبب فيروس كورونا من أصل 11 ألف حالة إصابة مؤكدة بالفيروس [يرجى مراجعة الاعداد قبل النشر]، وبالنسبة لدولة على اتصال قوي بالعالم الخارجي مثل الإمارات العربية المتحدة فإن التعامل مع وباء عابر للحدود لم يكن بالمهمة اليسيرة، لكن الإمارات نجحت في توظيف مجموعة من أدوات الثورة الصناعية الرابعة – الذكاء الاصطناعي وعِلم الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد والتكنولوجيا الذكية وعِلم الجينوم (الوراثة) – إلى جانب تطبيق مجموعة من الإجراءات التقليدية واسعة النطاق لمواجهة الكارثة، وانتهاج أسلوب عمل يشمل التنسيق التام بين المؤسسات الحكومية من أجل احتواء الفيروس.

وقال خبير الاستراتيجيات الجيوسياسية جوشوا كوبر رامو في كتابه “الحاسة السابعة” :”نحن الآن نشهد المراحل الأولى لعملية تحول تتمتع بالترابط أكثر من تلك التي شهدت انتشار الثقافة والثورة الصناعية في عدة دول عقب سنوات من العصور المظلمة”، وأشار رامو إلى قوة الشبكات وأدوات التواصل باعتبارها عناصر حيوية بالنسبة لمستقبل الأمم والشركات والأفراد، وأضاف قائلًا :”نحن نشهد الآن قوة الشبكات عبر المؤسسات العابرة للحدود مثل الجامعات ومراكز قيادة الجيوش أو شركات الهواتف، وباختصار فإن الأمة التي تملك شبكات قوية وأدوات للتواصل تستطيع تحقيق النجاح”.

وتعُد الإمارات العربية المتحدة من أكثر الدول التي تملك شبكات اتصالات قوية على مستوى العالم، وبخلاف امتلاكها لأكثر المطارات الدولية ازدحامًا على مستوى العالم (مطار دبي الدولي)، وأحد أكبر موانئ الحاويات، كما أنها تعُد موطنًا لأكثر الجنسيات المتنوعة على وجه الأرض، فإن الشركات الإمارتية تمتلك شبكة قوية من الاتصالات مع جميع أنحاء العالم، حيث تستفيد من مجموعة من أفضل الخبراء على وجه الأرض، وتقوم بعمل شراكات فعالة مما يساعدها على التطور بشكل هائل، ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن شبكات الاتصالات تلك ليست معنية فقط بمسارات التجارة لكنها معنية أيضًا بالمشروعات العلمية المشتركة.

ووفقًا لفريق العمل بولاية نيفادا الذي أعلن عن تلك المبادرة، فإن الشراكة بين الولاية ومجموعة “جي 42” الإماراتية لن تقتصر فقط على إنشاء مختبر لإجراء فحوص فيروس كورونا، بل أنها تشمل إجراء دراسات وراثية خاصة بالفيروس، وقال مدير فريق العمل بولاية نيفادا جيم مورين في بيان له :”إن الموارد التي تملكها مجموعة “جي 42″ الإماراتية ستساعدنا بصورة هائلة على إجراء اختبارات فيروس كورونا والأبحاث التي تجعلنا قادرين على تخفيف آثار الفيروس التي تطال المواطنين والزائرين خلال الأزمة الحالية، وسوف تساعدنا تلك الشراكة أيضًا على تدعيم قدرتنا على تعافي اقتصاد ولاية نيفادا على المدى الطويل”.

وبخلاف مبادرات الشراكة التجارية، فإن الإمارات العربية المتحدة كانت أيضًا في الخطوط الأمامية فيما يخص تقديم الدعم للغير، حيث ساعدت الدول الأخرى خلال سعيها لمكافحة فيروس كورونا، فقد قدّمت الإمارات العربية المتحدة أكثر من 314 طن من المساعدات حصلت عليها أكثر من 27 دولة.

والأوبئة شأنها شأن المشكلات الكبرى التي تواجه العالم لا تحتاج لجوازات سفر كي تعبر الحدود، وهي تؤدي للتركيز على الوصول لأفضل التجارب والحلول دون النظر إلى منشأ تلك التجارب وتلك الحلول، وقد قال الزعيم الصيني الشهير دينج شياو بينج :”أنا لا أهتم لكون القطة لونها أسود أم أبيض طالما أنها تنجح في اصطياد الفئران”، وقد اكتشفت الحكومات على مستوى العالم الحقيقة الجوهرية وراء تلك الحكمة، والناس الذين يشعرون بفقدان الأمل هُم يبحثون عن حلول دون النظر للمكان الذي تأتي منه تلك الحلول، وسواء تعلّق الأمر باللون الأبيض أم الأسود فإن الإمارات العربية المتحدة باتت في طريقها لتصبح قطة ضخمة للغاية.

أفشين مولافي هو أحد كبار الزملاء في معهد السياسة الخارجية بكُلِيّة جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، كما أنه رئيس تحرير ومؤسِس مؤسسة نيو سيلك رود مونيتور.