في قرية بلا رجال: مجتمع نسائي يسعى إلى سلام مستدام في سوريا

ريم تينا غزال

بدأ نوع جديد من المقاومة بالظهور في سوريا التي مزقتها الحرب. ففي قلب منطقة “روج آفا” الواقعة في شمال سوريا وذات الغالبية الكردية، ثمة ما يدعو إلى التفاؤل فيما قد يطلق عليه البعض رؤية خيالية للسلام في هذا البلد الممزق. حيث إن نساء قرية “جنوار” تؤمنَّ بأنهن قد أسسن مجتمعاً أكثر استدامة من ذاك الذي يهيمن عليه الذكور والذي دُمر بالكامل في السنوات الماضية.

لا شك في أن المذبحة المستمرة في سوريا والخزي الدولي إزاء فشل جميع الأطراف في وقف أعمال العنف يتطلبان حلولاً منهجية. حلول لطالما كانت النساء، اللاتي تخططن لمستقبلهن في خضم الصراع، سبَّاقات لإيجادها. ففي المجتمعات التي يُنظر إليها عموماً على أنها ذكورية، قد يفاجأ البعض بأن المبادرات الحالية الرامية إلى تمكين المرأة هي في الأساس متجذرة في تاريخ الشرق الأوسط.

صحيح أنه ينبغي تجنب الصور النمطية، إلا أنه ما من شك في أن الجهود التي تقودها النساء عادة ما تتسم بطابع مختلف عن تلك التي يبذلها الرجال. حيث قالت إحدى النساء التي تم تعريفها على موقع القرية باسم جيهان، وهي عضوة في لجنة قرية “جنوار”: “عندما نتحد كنساء، ونبني أساس حياتنا معاً وندافع عن بعضنا البعض معاً، ستتحقق الحرية. ومن الحرية، سينبثق الجمال”.

إن قرية “جنوار” أصبحت ترمز لمجتمع مختلف في “روج آفا”: “قرية المرأة الحرة” التي بنتها النساء من أجلهن ومن أجل أطفالهن استناداً إلى نموذج مستدام بيئياً يدمج الحكمة القديمة وأدوات الماضي، بما في ذلك البناء التقليدي باستخدام الطوب اللَّبِن.

وحسب ما جاء به الموقع الإلكتروني فإن “إعادة بناء بيوتنا باعتبارها مرفأ للسلام هي بمثابة عمل هام من أعمال المقاومة ضد العنف والحرب”. فمن خلال الارتكاز على التراث الثقافي والمعرفة التاريخية للأجيال السابقة من النساء، تهدف قرية “جنوار” إلى “خلق أسلوب حياة تستطيع فيه المرأة أن تطلق العنان لطاقاتها، متحررةً من القيود التي تفرضها هياكل السلطة القمعية للنظامين الذكوري والرأسمالي”.

لقد تم إنشاء القرية في ربيع عام 2017 باعتبارها مشروعاً مستقلاً تموله منظمات نسائية. وفي الوقت الذي لا يزال فيه هذا المجتمع قيد التطوير، تعهدت المنظَّمات بإنشاء وسط يتسم بالاكتفاء الذاتي ويحتوي على حدائق وبساتين وتتم تربية المواشي فيه. وتخطط النساء إلى تقديم دروس حول العلاج والطب الطبيعي وتنظيم ورشات متعددة وإنشاء مدرسة ومركز للفنون. كما أنهن يبنين مخبزاً مشتركاً ومركز قرية دائري مع مطبخ مشترك ومنطقة للتجمع تمثل فضاءً عاماً مشتركاً. وفي وسط القرية، قامت هؤلاء النسوة ببناء معلم مائي على شكل نجمة، وهو رمز “عشتار” إلهة الحب والحماية والحكمة والخصوبة في بلاد الرافدين.

غير أن المشروع لا يخلو من جدل، فكونها تمثل مجتمعاً مناهضاً للرأسمالية وللذكورية، فإن قرية “جنوار” قد تتعرض لانتقادات تُسائل الأسس الأيديولوجية التي ترتكز عليها هذه القرية، فيما سيثير تبنيها لمفهوم “علم النساء” غضب أنقرة، علماً بأن هذا المفهوم مرتبط بقائد الاستقلال الكردي السجين عبد الله أوجلان.

وبالرغم من أصولها الكردية، فإن قرية “جنوار” مفتوحة أمام جميع الأعراق والديانات. ففي بلد اجتاحته المذابح والموت، تقدم “جنوار” بديلاً وحياة أكثر رغداً في خضم العنف والخسارات، حياة تستفيد من طاقة النساء وبراعتهن. وليس من قبيل الصدفة أن المشروع التي تقوده النساء يشدد على الاستدامة والرعاية والمجتمع.

لكن لا يغرنكم التفكير بأن هؤلاء النساء هن مجرد عاملات في البساتين وطاهيات، أو بأن الأنوثة قد تعني الضعف. فهذه سوريا في نهاية الأمر، آتون العنف الذي لا يفلت منه أحد تقريباً. فعلى سبيل المثال، التحقت نساء من خلفيات مختلفة (كرديات وعربيات وتركمانيات وآشوريات ومن أوروبا الغربية) بالميليشيا الكردية النسائية في سوريا، وهي “وحدات حماية المرأة” الكردية، والتي كانت الجنديات المنضويات تحت لوائها تقاتلن وتلقين حتفهن جنباً إلى جنب مع الرجال منذ سنة 2012.

ولا تقتصر مساهمات النساء في ساحة المعارك على القوات الكردية، فقوة “بنات الحق” العراقية قد قاتلت في منطقة الأنبار التي كانت حتى وقت قريب خاضعة لسيطرة تنظيم “داعش”. وتشمل النساء اللاتي يرتدين الزي العسكري أرامل وأمهات فقدن أحباءهن جراء أعمال عنف المتطرفين.

وفي إطار عملي كصحفية، قمت بتغطية الحروب وقد انبهرت بشجاعة هؤلاء النساء. حيث ثمة قصص كثيرة حول صمود النساء اللاتي يستخدمن في بعض الأحيان القدور والمقالي للدفاع عن بيوتهن وأحبائهن بعد أن لقي أزواجهن حتفهم أو أقدموا على الفرار.

هذه الظاهرة في الواقع ليست حديثة العهد في المنطقة، حيث يرِد في أحد أجود مقاطع كتاب “فتوح الشام” للمؤرخ العربي الشهير الواقدي (823-747م) ما مفاده أن الرجال عندما رأوا النساء وهن يقاتلن، عادوا وقالوا لبعضهم البعض، “إن لم نقاتل فنحن أولى من النساء بالجلوس في المهاجع”.

وتخبرنا روايته عن المعارك ضد البيزنطيين، التي شارك فيها أحد أشجع القادة في تاريخ الإسلام، خالد ابن الوليد، بالإضافة إلى خولة بنت الأزور “الفارسة السوداء” الأسطورية، وهي امرأة عربية كانت تتنكر في زي رجل يرتدي لباساً أسود وشاحاً أخضر. وقد أصبحت تنسج حولها الأساطير، حيث قال المؤرخ ما معناه أن المحارب الغامض انقض على العدو مثلما ينقض صقر قوي على عصفور صغير في هجوم هز صفوف البيزنطيين.

ولا تزال قصتها ذات أهمية في يومنا هذا، حيث أطلق اسمها على أول كلية عسكرية خاصة بالنساء في الخليج والتي يوجد مقرها بأبوظبي. وقد افتتحت الكلية سنة 1991 بعد حرب الخليج الأولى لإعداد الشابات لشغل وظائف في الجيش. وفي فبراير الماضي، اتخذت المملكة العربية السعودية مبادرة مماثلة، إذ سمحت للنساء لأول مرة بتقديم طلبات للانضمام إلى القوات المسلحة.

لقد رأينا المذبحة التي ارتكبها رجال، كثير منهم أجانب، في سوريا والعراق. لذلك فإن مساهمات النساء سواء في ساحة المعركة أو من خلال تشكيل مجتمعات أكثر مرونة وقدرة على التأقلم والتعافي مثل “جنوار”، تقدم لنا نموذجاً مختلفاً قد يشير إلى بدايات الخروج من المستنقع الحالي.

Photo courtesy Jinwar