مع مقتل سليماني ، مشروع خامنئي في اعادة هيكلة النظام الى المجهول

نبراس الكاظمي

AFP photo: Anwar Amro

لقد خسرت إيران شيئا أكبر من قائدها العسكري الابرز وأيقونة “المقاومة” ووزير خارجيتها الظل مع مقتل قاسم سليماني. لقد فقدت مستقبلها. أو على الأقل رؤية للمستقبل كان المرشد الأعلى علي خامنئي يُعد لها بتروٍ وذلك بالتنسيق مع الجنرال المقتول.

ثنائية خامنئي-سليماني ليست مفهومة جيداً خارج إيران. لأن هذه الثنائية والشراكة بينهما تخالف النماذج التحليلية المعهودة والتي تسعى الى تفسير سلوك النظام الإيراني وكيف يتم اتخاذ قراراته. ولكن في الواقع، تشير علاقة خامنئي التكافلية مع سليماني، وعلاقة سليماني المتوترة بفصائل وشلل متنوعة داخل منظومة “الدولة العميقة” في طهران إلى وجوب ايجاد طريقة اخرى لتحليل طبيعة النظام، أو بشكل أكثر دقة طبيعته المتغيرة.

لم يكن سليماني مجرّد متلقٍ للأوامر، سواء اتت من المرشد الأعلى أو من التسلسل الهرمي للحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الأخرى. لقد كان سليماني يهندس ويصنع فرصا لخامنئي. وكانت طريقته في ذلك تمتاز بالارتجال وتحيّن الثغرات –  اي انها كانت تتسم برهانات ذات خطورة بالغة. في حين كان خامنئي يُمضي على مغامرات سليماني ويقدم لها الغطاء السياسي شبيها بدور “البنك” في عرين المقامرين. كان الاثنان يعملان جنباً إلى جنب بمعزل عن أي مركز آخر من مراكز السلطة التابعة للنظام، واستطاعا ان يحققا الكثير سوية.

من جانبي انا أصر على أنهما كانا يستعدان لأخذ “ارباحهما” ووضعها في مقامرة أكبر: إعادة هيكلة جذرية للنظام الإيراني استعدادًا لخلافة خامنئي. وإذا كان لابد من تسمية هذا النموذج الذي اقدما عليه بمصطلح ما فإن النزعة “القيصرية” هي الأنسب. كان مرسوما لسليماني، القائد الفاتح، بتسيير حملة اخيرة الى طهران نفسها، يطرد من خلال اتونها تلك الفصائل المتخاصمة ومعها الفساد المستشري في الطبقة الحاكمة لدى النظام، وبالتالي يعيد “للثورة الإسلامية” حيويتها وعنفوانها. هذا ما اراده خامنئي من انجاز اخير لسيرته. وهذا هو ما خسره خامنئي مع وفاة سليماني. فمن الأسلم فهم أي رد فعل لاحق من عدمه قد يأتي من خامنئي في هذا الإطار.

اعترف بأن هذه الفكرة لديها عدد قليل من المريدين في أوساط مراقبي إيران كتفسير لسلوك النظام. انها جديدة جدا وغير مكتملة المعالم، ولم يقم الرأي السائد بمضغها والتوقف عندها. علاوة على ذلك، مع رحيل سليماني، لن نرى مآلاتها لأنه ببساطة لا يوجد بديل لسليماني. استغرق الأمر عقودًا من الزمن والتجارب لإعداده للمهمة، وبذلك أتى لتجسيدها بشخصه لا غير.

ومع ذلك ، يمكن للمرء أن يحدد مسارًا يشير إلى أن هذه الغاية كانت فعلا ما يرمي اليه خامنئي ومعه سليماني.

أُنشئت قوة القدس رسمياً في عام 1990. وكانت طموحاتها آنذاك مطابقة لطموحات قائدها، ولم تصل مدياتها إلى أكثر من مجرد مصدر إزعاج تكتيكي لأعداء إيران.

بعدها تم اختيار سليماني من قبل خامنئي لقيادة قوة القدس في وقت ما بين صيف عام 1997 وربيع عام 1998. وثم على مدى عقدين من الزمن استطاع سليماني ان يصنع من قوة القدس مؤسسة تناسب طموحه الهائل. على سبيل المثال، حاول سليماني أن يصور نفسه إلى المحاورين الأمريكيين بأنه الرجل الايراني الأول في أفغانستان في عام 2001، وأعاد تأكيد نفس الإدعاء في العراق في عام 2003.

لم يكن الواقع كذلك. كانت قوة القدس واحدة من بين العديد من الفصائل الساعية لرسم السياسة الإيرانية في كابول وبغداد. لكن على مدار بضع سنوات، اقنع سليماني خامنئي بمشروع تحويل العراق وأفغانستان إلى مناطق مواجهات ساخنة مع الأميركيين، وبهذه الطريقة تمكن الاستئثار بأسبقية القرار مقارنة مع منافسيه.

ومن المقاييس الأخرى لفهم كيفية تغيّر ظروف سليماني تماشيا مع طموحه وتنامي رعاية خامنئي له هي العودة الى كيفية إدارة حروبه في سوريا والعراق.

واجه سليماني أوقاتًا مظلمة جدًا في الجبهة السورية على التحديد، خاصةً في الفترة ما بين هجوم القصير في ربيع عام 2013 والتدخل الجوي الروسي في سبتمبر 2015. انقطعت عنه الموارد، وخرجت عليه السكاكين لطعنه في الظهر في اروقة السلطة الايرانية. واستطاعت هذه الفصائل الحاقدة عليه تصعيد الأمور بشكل دوري إلى درجة أن سليماني كان على وشك الإقالة مرارا وتكرارا.

اختلفوا معه حول الإستراتيجية الاجمالية وكانوا غير مقتنعين بأن من الممكن انقاذ النظام السوري، من بين العديد من القضايا الخلافية الأخرى. لكن في كل المواجهات الحاصلة، قام خامنئي بالوقوف الى جانب سليماني ومد له يده وحماه من الآخرين. ولم تقم تلك الفصائل بالاصطفاف وراء سليماني والتعبئة بجدية لمشروعه الا في الفترة التي سبقت معركة حلب في نهاية عام 2016 ، عندما بدأت تتضح معالم انتصاره الحتمي.

أصبحت النظرية القيصرية موضع تأكيد كبير أيضًا عندما استقال وزير الخارجية جواد ظريف بطريقة مسرحية بسبب إقصائه عن الاجتماعات رفيعة المستوى التي كان سليماني يشرف عليها. وكان ظريف يحظى بالكثير من تأييد الآخرين في النظام لما قام به من خلال هذا الموقف التصعيدي، مما يبرز رفضهم لارتقاء سليماني في سلم السلطة على منوال غير معهود بينهم.

تم تهدئة ظريف واستيعابه لاحقا، ولكن بعد أسبوعين منح خامنئي وسام “ذو الفقار” الى سليماني، وهو وسام لم يُمنح أبدًا لأي شخص في عهد الثورة الإسلامية. وكان يمنح نادرا جدا حتى منذ الأيام التي كانت لا تزال تُعرف فيها إيران باسم فارس في القرن التاسع عشر.

سميت الميدالية باسم سيف علي بن أبي طالب الشهير، وهو من الرموز الاساسية للشيعة. فبدلاً من أن يُفهم المشهد على أنه احالة على التقاعد كان يعني في الواقع أن المرشد الأعلى كان يعد جنراله لحملة جديدة، موجهة داخليًا هذه المرة.

وبالتالي، أيا كانت النتائج والسيناريوهات الناشئة عن زوال سليماني، يجب على المحللين أن يحتسبوا أن خامنئي يتصرف الآن تحت وطأة اليأس العميق. لأنه فقد للتو إرثه السياسي. فاليأس قد يأخذه الى الانكماش والشلل. أو يمكن أن يدفعه الى عواقب غير عقلانية ذات ابعاد شديدة وخطيرة.

نبراس الكاظمي مؤلف كتاب “سوريا من خلال عيون الجهاديين: العدو المثالي” 2010، من اصدارات مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد.