بعد تخلص العالم من الاستعمار.. متحف في الخليج يتبنى رؤية جديدة

أليكسا مينا

إذا ما قمت بالسرقة فانه سيزج بك الى السجن ولكن ما هو الوضع اذا ما كانت السرقة تتعلق بالقطع الاثرية؟  فقد اعتادت المتاحف على هذا النوع من السرقات لعدة قرون. ويمكنك زيارة العديد من المتاحف العالمية الشهيرة مثل متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، والمتحف البريطاني، ومتحف بيرغامونفي برلين، ويمكنك ان تسال نفسك، ما هو الشيء المشترك بين تلك المتاحف، وستجد الإجابة في ان أروقة تلك المتاحف تمتلئ بالعديد من التحف الاثرية المتنازع على ملكيتها. لذلك، نحن بحاجة لرؤية جديدة تدعو لوضع الأمور في نصابها الصحيح في عالم يتسم بالوعي والثقافة والفكر المستنير، لكننا بحاجة لمعرفة التداعيات والنتائج المترتبة على هذا التغيير والنظر لهذه التحف الموجودة في المتاحف القديمة مثل لندن وبرلين وباريس من وجهة نظر أخلاقية، وهو ما تضمنته البروتوكولات الجديدة عند انشاء متحف اللوفر في أبو ظبي.

قد أكون قاسية في الحكم على طريقة استحواذ تلك المتاحف على التحف الاثرية ، فقد جُمعت اغلب التحف عن طريق التبرع أو الشراء ممن يمتلكها، وبخاصة من أولئك المعاصرين لفترة الاستعمار الأوروبي والذين اشتروا هذه الأعمال الفنية والتحف التاريخية بطرق ملتوية وبأساليب غير أخلاقية، ولا أسعى أيضًا إلى توجيه تهم بعينها إلى المتاحف وكيفية حصولها على هذه التحف في الماضي، ولكنني أرغب في أن تولي هذه المتاحف مزيدا من الاهتمام والحرص عند اقتناء هذه الآثار في المستقبل.

تضم العديد من المتاحف الكبرى حول العالم مجموعة كبيرة من المقتنيات التراثية المتنازع على ملكيتها، وتسعى البلدان المالكة لها لإجراء مفاوضات جادة لاستعادتها مرة أخرى، منها مقابلة تاريتا ألاركون رابو الحاكمة الاقليمية لجزيرة الفصح بتشيلي، مع المديرين التنفيذين للمتحف البريطاني لتطالب باستعادة التمثال الحجري هوا هاكانانايا وهو من القطع الأثرية الهامة لجمهورية تشيلي وشعبها.

وينتمي تمثال هوا هاكاناناياإلى مواي moaiوهي مجموعة من التماثيل الضخمة المصنوعة من حجر البازالت، ويبلغ وزنه 4 أطنان ويعد رمزا لزعماء القبائل آنذاك، ونُقل إلى بريطانيامنذ 150 عاما من قبل البحارة البريطانيين في القرن الـ19 وتم تقديمه للملكة فيكتوريا. وأريد ان أؤكد مرة أخرى انه ليست مهمتي الحكم على السياسة المتبعة في المتاحف، ولكنني قلقة بشأن رد فعل المتحف البريطاني على طلب استعادة ذلك التمثال، إذ عرض اعارته إلى جزيرة الفصح، وهو أمر غير مقبول.

وهناك حالات مشابهة تدل على إن عودة قطعة أثرية لبلادها أمرا في غاية التعقيد، فقد طالبت اليونان كذلك استعادة منحوتات البارثينون أو ما يُطلق عليه البريطانيون منحوتات إلغنمن المتحف البريطاني، وجاء الرد بإمكانية استعارتها بغض النظر عن ملكيتها،كما طالبت نيجيريا من قبل باسترداد مجموعة التماثيل البرونزية المعروفة باسم بنين البرونزي من المتحف البريطاني، وكان الرد أيضًا بعودتها على سبيل الاعارة لوضعها في المتحف النيجيري، أشعر بالاستياء الشديد تجاه هذه المسألة وتلك الإجراءات المعقدة لرد الكنوز التاريخية لبلدانها، وأرى أنه قد حان الوقت للتصدي لها.

دائما ما يدافع المتحف عن حقه في الاحتفاظ بهذه الأثار بخلق الأعذار الواهية ويصف نفسه بأنه المورد الوحيد في العالم؛ وبأنه يقدم من خلال مقتنياته خدمة فريدة تتيح للسائحين اكتشاف الهويات الثقافية والحضارات البشرية بشكل شامل ومتعمق، بعبارة أخرى يدعي بأنه النقطة المحورية للثقافة العالمية، ودائما ما يروج لنفسه بأنه المكان الوحيد في العالم لرؤية التراث العالمي، وبالتالي يوفر على السائحين مشقة وعناء السفر إلى مصر والعراق وتركيا واليونان وجزر المحيط الهادئ.

على صعيد متصل، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مبادرة استعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى بلدانها، ووعد بعودة 26 قطعة أثرية أخذت من جمهورية بنين الأفريقية إبان الفترة الاستعمارية، وشدد قصر الإليزيه على أنها ليست الحالة الوحيدة وستعاد كل المقتنيات التراثية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، تنفيذا لتوصية الخبراء في هذا المجال.

لا نعني بذلك خلو قاعات المتاحف من مقتنياتها، ولكن هناك فرصة ذهبية لتقديم رؤية مختلفة في تنظيم المتاحف، بشكل يمكن الدول الأشد فقرا من تأجير أماكن في المتاحف الدولية لعرض كنوزها التراثية التي لا تقدر بثمن، كذلك يتعين على المنسقين تنظيم عروضا متنقلة لهذه التحف التراثية، ما يساعد هذه الدول على نقل ثقافتها وحضاراتها للعالم، ويسهم أيضًا في سد الفجوة الناجمة عن رد هذه المقتنيات إلى بلدانها.

علاوة على ذلك، فقد قدم متحف اللوفر في أبو ظبي، باعتباره متحفا جديدا، رؤية مستنيرة ونموذج يحتذى به للمتاحف المعاصرة، إذ تضمنت البروتوكلات بنودً جديدة للاستعارة، على سبيل المثال عرض مجموعة الطرق العربية وهي ضمن الكنوز الأثرية التابعة للمملكة العربية السعودية، وتعد جزءً أساسيا من مجموعة المقتنيات المملوكة لمنطقة الخليج، وبذلك يعطي المتحف للزائرين لمحات مختلفة من ثقافات العالم، دون الدخول في الجدل الدائر حول ملكيتها. ويشوق الزائرون ويعدهم برؤية شيء جديد كل مرة.

يتعين على المتاحف ألا تكون امتدادا للمشروع الاستعماري، فقد حان الوقت للتغيير الجذري، والتأكيد على أن هناك صعوبات تواجه عالمنا ما زلنا بحاجة للنظر فيها والعمل على حلها، كالبلدان التي تخوض الحروب ولا تلتف لعواقبها، وأن الحل لا يكمن في سرقة القطع الأثرية.

AFP PHOTO/KARIM SAHIB