على الشرق الأوسط أخذ العبرة من فشل الهند في الحاق بركب الدول العظمى

دنيانيش كامات

AFP Photo: Kiyoshi Ota

في عالم ربما يشهد منافسة متواصلة بين الصين والولايات المتحدة تبرز الهند باعتبارها الجدار الفاصل المحتمل بين هاتين القوتين، وهذا الأمر ستكون له تداعيات فيما يخص دور الهند في منطقة الشرق الأوسط.

ويبقى الانطباع عن الهند أنها إحدى دول عدم الانحياز التي تدعم سياسة الوضع الراهن، وتعُد الهند عضوًا في مجموعة الحوار الأمني الرباعي (كواد)؛ وهو عبارة عن تحالف ناشئ للديمقراطيات تقوده الولايات المتحدة ويضم اليابان وأستراليا بالإضافة إلى الهند، وتعُد الهند أيضًا أكبر متلقي للمساعدات المالية من البنك الآسيوي لاستثمارات البنية التحتية الذي تديره الصين، كما أن الهند لديها العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها كل من روسيا والصين، وعلى الرغم من الاختلافات بين كل منهما إلا أن الصين والهند لديهما مواقف متماثلة تجاه العديد من القضايا؛ مثل التغير المناخي ومبدأ عدم التدخُل في الشؤون الداخلية للدول.

وقد ثارت مخاوف الهند بسبب الاشتباكات الحدودية التي جرت الصيف الماضي بين الجيشين الصيني والهندي، ومبعث تلك المخاوف هو خشية نيودلهي من دخول الحرب على جبهتين أمام كل من باكستان والصين، والواقع أن واضعي خطط السياسة الدفاعية طالما قاموا بالتأكيد على هذا السيناريو خلال التحليلات التي قدموها، لكن تلك الاشتباكات التي جرت في صيف العام 2020 كان لها وقع هائل في نيودلهي، والمرجح أن الهند ستقوم بتركيز اهتمامها وإنفاق ميزانيتها الدفاعية على البنية التحتية في المناطق الحدودية، وأن تقوم بتدعيم التجهيزات العسكرية استعدادًا لخوض الحرب على جبهتين، وهذا الأمر سيؤثّر بالسلب على مجهودات نيودلهي الخاصة بممارسة سياسة القوة الصلبة مستقبلًا سواء في منطقة الخليج أو البحر الأحمر، وعلى العكس من الصين فإنه من غير المرجح أن تقوم الهند بإقامة قاعدة عسكرية في البحر الأحمر خلال المستقبل المنظور.

أما روسيا التي ترتبط بتحالف وثبق مع الصين فقد أبدت تحفظات قوية تجاه عضوية الهند في مجموعة الحوار الأمني الرباعي (كواد) التي تقودها الولايات المتحدة، ومع الوقت سنكتشف ما إذا كانت الهند ستقوم بإتمام صفقة بقيمة 2.5 مليار دولار لشراء منظومة الصواريخ الروسية “إس-400” من عدمه؛ تلك الصفقة التي ربما تؤدي إلى قيام الولايات المتحدة بفرض عقوبات على نيودلهي، أما روسيا التي تتمتّع بشراكة استراتيجية قوية مع الهند حتى اليوم فقد سعت على مدار السنوات القليلة الماضية إلى تقوية العلاقات مع باكستان، وفي بداية شهر إبريل أبدت موسكو رغبتها في بيع أسلحة إلى باكستان، وإذا ما أبقت الهند على عضويتها في تحالف (كواد) فإنها ربما تخسر صفقات إعادة الإعمار المربحة في سوريا؛ فضلًا عن حرمان نيودلهي من لعب أي دور سياسي في قرارات حسم الصراعات التي تعمل على تأمين مصالحها في المنطقة، وفي الوقت ذاته فإن الصين تأمل في حل النزاعات المختلفة في الشرق الأوسط عبر تكوين اتحاد متعدد الأطراف يشمل دولًا من المنطقة، وإذا ما اختارت نيودلهي عدم الخضوع لبيجين واستمرت في تدعيم العلاقات مع واشنطن؛ فإن الهند ستبقى على الهامش فيما يخص تحالف (باكس سينيكا) أو (السلام الصيني) في الشرق الأوسط.

والآن فقد وقّعت كل من الصين وإيران على اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 25 عامًا (بنود تلك الاتفاقية لازالت مجهولة حتى اليوم)، ومع احتمالية مشاركة حركة طالبان في الحكومة الأفغانية مستقبلًا؛ فإن الاستثمارات الهندية في ميناء جابهار الواقع على السواحل الجنوبية لإيران؛ والآمال المتعلقة بإنشاء ممر إلى آسيا الوسطى عبر أفغانستان قد باتت جميعًا من قبيل الأحلام، وإذا ما سارت الأمور على هذا النحو فإن الهند ستكون بحاجة إلى إيران أكثر من حاجة إيران للهند، وكان المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي قد أعلن استيائه من العلاقات القوية بين الهند وإسرائيل؛ وذلك عبر مجموعة من التصريحات الحادة لخامنئي حول كشمير وحاجة الهند لأن “تتبنّى سياسة عادلة.. وأن توقف القمع والتنكيل بالمسلمين في تلك المنطقة”.

ومن المرجح أن تؤدي تلك التطورات إلى لجوء الهند لتقليص العلاقات الاستراتيجية التي تتطور سريعًا مع كل من إسرائيل والمملكة العربية السعودية، وستكون الخطة المزمعة التي تم الإعلان عنها في العام 2019 بين الهند والسعودية لامتلاك وإنتاج المعدات الدفاعية ستكون بمثابة الضحية الأولى لتلك التطورات.

وعلى الرغم من خطط إدارة بايدن من أجل ضم الهند إلى تحالف ضخم للديمقراطيات فإن هناك بعض الانتكاسات البارزة للديمقراطية في الهند، وفيما يخص حرية التعبير والحريات المدنية والمحاسبة السياسية واستقلال المؤسسات فإن النموذج الهندي يبدو أقرب إلى الصين عن الولايات المتحدة، لذلك من المرجح أن تتفق الصين والهند على رفض التدخلات الغربية في الشؤون الداخلية للدولتين.

وسوف تؤدي تلك التطورات أيضًا إلى تعقيد العلاقات بين الهند ودول الشرق الأوسط، وخلال العام القادم ستشهد الهند أحداثًا سياسية هامة؛ تبدأ بالانتخابات العامة في العام 2022 ثم الانتخابات المحلية في العام 2024، ومن المرجح أن يسعى الحزب الحاكم (بهاراتيا جاناتا) إلى تأجيج الاضطرابات الدينية بغرض جذب أصوات الهندوس القوميين، وسيتم هذا الأمر عبر البيانات والخطوات السياسية، والواقع أن التصديق على تعديل قانون المواطنة العام الماضي والذي يعتبر الدين مقياسًا للمواطنة  في الهند التي تعُد رسميًا دولة علمانية أثار القلق في منطقة الشرق الأوسط، لكن بسبب اختلاف الهند عن الصين فإن النُخب السياسية في الشرق الأوسط ستمتلك القليل من الجرأة لانتقاد التطورات التي سوف تشهدها الهند على مدار السنوات القادمة، وربما تصبح تلك المسألة بمثابة العقبة الرئيسية أمام تكوين علاقات قوية.

وخلال المستقبل المنظور عقب زوال جائحة كورونا (كوفيد-19) من المرجح أن تقوم الهند بالتركيز على تنشيط الاقتصاد، وستكون هناك قيود على تخصيص الأموال للصناعات الدفاعية المحلية، وربما تطال تلك القيود ميزانية الدفاع ذاتها، وسيكون لهذا الأمر تداعيات على خطط دول الشرق الأوسط التي تسعى للحصول على الأسلحة من الهند أو إنتاجها بالاشتراك مع نيودلهي، ومن غير المرجح أن يقل اعتماد الهند على الشرق الأوسط للحصول على حاجتها من الطاقة، كما أنه من غير المرجح عودة الجالية الهندية في الخليج إلى الوطن قريبًا؛ تلك الجالية التي تقوم بتحويل نسبة ضخمة من الأموال للداخل الهندي، لذا من المرجح بقوة أن تقوم الهند بالتركيز مباشرة على المعاملات التجارية المتواصلة مع منطقة الشرق الأوسط.

وإذا أضفنا إلى ذلك حاجة الهند للوقوف في المنتصف بين الصين والولايات المتحدة؛ فهذا يعني أن دول الشرق الأوسط يجب ألا تتوقع تكوين شراكة استراتيجية مع الهند على المدى المتوسط.

 

يعمل دنيانيش كامات كمحلل سياسي ، وهو متخصص في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا ، كما يقدم استشارات للحكومات حول السياسات والمبادرات الاستراتيجية ، وتطوير الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.