الهند أم باكستان؟ كشمير اختبار للدبلوماسية الخليجية

حسن الحسن

AFP photo: Tauseef Mustafa

أدت التطورات الحالية في جامو وكشمير، والتي أنهت حكومة الهند القومية الهندوسية الحكم الذاتي فيهما فجأة، إلى جعل حالة التوازن التي تنتهجها دول الخليج العربي في منطقة جنوب آسيا موضع اختبار. فقد وضعت الهند دول الخليج أمام معادلة صفرية من خلال زيادة حدة التوترات مع باكستان، وزيادة احتمالات اندلاع تمرد داخلي، ولما كان من المحتمل أن تفسر باكستان حياد دول الخليج العربي على أنه موقف موالي للهند ضمنيًا، فمن المرجح أن يكون رد الهند صاخبًا ضد أي ضغوط أجنبية على ما تعتبره شأنًا هنديًا داخليًا.

وصار مصير جامو وكشمير على المحك، بعد أن ألغت الحكومة الهندية وضع الحكم الذاتي للدولة بموجب المادتين “370” و”35أ” من الدستور الهندي، وحولتهما، من دولة واحدة، إلى إقليمين اتحاديين خاضعين للحكومة المركزية. وتحسباً لاندلاع أعمال عنف واسعة النطاق، اعتقلت الحكومة المركزية المسؤولين المنتخبين في الولاية، ونشرت عشرات الآلاف من القوات شبه العسكرية. كما قطعت الهند خدمتي الهاتف والإنترنت، وعزلت جامو وكشمير عمليًا عن بقية العالم.

وتاريخيًا، يمكن لباكستان الاعتماد على دعم الدول العربية والدول ذات الأغلبية العربية والإسلامية شبه الجماعي لموقفها من كشمير. ومنذ إنشائها خلال الحرب الباردة عام 1969، كانت منظمة التعاون الإسلامي (OIC) منصة لباكستان الموالية للغرب لحشد الدعم العربي والإسلامي ضد الهند المتحالفة مع السوفييت بخصوص كشمير. وحتى بعد انتهاء الحرب الباردة، استمرت دول الخليج العربي في إدانة أسلوب الهند القمعي في التعامل مع التمرد المتزايد في كشمير، وفي الدفاع عن حقها في تقرير المصير. في عام 1994، على سبيل المثال، شاركت المملكة العربية السعودية في رعاية قرار طرحته باكستان بشأن كشمير أمام لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهو ما يوضح مدى دعم دول الخليج لباكستان.

ومع ذلك، وفي ظل تحسن العلاقة الثنائية بين دول الخليج العربي والهند منذ بداية الألفية الثالثة وحتى الآن، فقد بدأ موقف دول الخليج من كشمير في التغير. ولاسترضاء الطرفين، اعتمدت المملكة العربية السعودية، وهي أكبر دولة خليجية، سياسة مزدوجة بشأن كشمير. حيث تتخذ المملكة العربية السعودية موقفا مؤيدا لباكستان في منظمة التعاون الإسلامي، وهو موقف أغلبية دول المنظمة. ومع ذلك، ترى المملكة العربية السعودية، في ضوء نهجها الإقليمي تجاه منطقة جنوب آسيا، أن الصراع في كشمير هو قضية هندية باكستانية يتعين على الجانبين حلها من خلال الحوار، وهو ما تراه الهند كذلك.

وتجلت السياسة المزدوجة التي اعتمدتها المملكة العربية السعودية كاملةً خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى باكستان والهند في فبراير، في ظل اندلاع التوترات العسكرية بين الجانبين على طول خط السيطرة. ومن خلال بعض البيانات المشتركة مع باكستان والهند، دعت المملكة العربية السعودية إلى إجراء حوار شامل بين البلدين، فيما يتعلق بكشمير، وهي رسالة تلقتها الصحافة الهندية ببهجة. كما أرسلت الرياض مبعوثين ليمثلوا حلقة اتصال غير رسمية بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، انضمت المملكة العربية السعودية إلى باقي الأعضاء في فريق الاتصال التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بشأن جامو وكشمير في إدانة الممارسات الأمنية الغاشمة التي تشنها الهند، والثناء على باكستان لالتزامها بضبط النفس.

ويمكن القول إنه يمكن تبرير سياسة المملكة العربية السعودية المزدوجة بشأن كشمير طالما ظلت التوترات في الوادي الذي تديره الهند تحت السيطرة. ومع ذلك، ولأن الحكومة الهندية تخاطر بزيادة الوضع المُضطرب بالفعل سوءًا، فمن المرجح أن اندلاع أي تمرد واسع النطاق يترتب عليه مقتل أعداد كبيرة من المدنيين من شأنه أن يضع المملكة العربية السعودية في موقف صعب فيما يتعلق بعلاقتها مع الهند. وفي المقابل، فمن المحتمل أن تفسر باكستان فشل المملكة العربية السعودية في معارضة قرارات الهند بشأن جامو وكشمير، حتى في حالة عدم وجود تمرد، على أنه إشارة إلى موافقتها الضمنية لقرارات الهند.

وفي غضون ذلك، شرعت كلٌ من باكستان والهند في بذل جهود دبلوماسية حثيثة للتواصل مع دول الخليج. والسادس من أغسطس، وخلال الاجتماع الطارئ لفريق الاتصال التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بشأن جامو وكشمير والذي عُقِد بجدة في السادس من أغسطس، غرد وزير الخارجية الباكستاني “شاه محمود قريشي” على “تويتر” مطالبًا منظمة التعاون الإسلامي بإظهار تضامنها من خلال العمل مع شعب كشمير المُحتًلَّة من الهند. وحرص زعماء باكستان والهند ووزيرا خارجيتهما على الاتصال بنظرائهم في العواصم الخليجية سعيًا للحصول على دعمهم بطريقة أو بأخرى.

وبينما امتنعت المملكة العربية السعودية عن اتخاذ موقف بشأن تطورات الموقف في كشمير، لم تتردد الإمارات العربية المتحدة على الإطلاق في تحديد موقفها من هذا الأمر. حيث وصف سفير الإمارات العربية المتحدة في نيودلهي، الدكتور أحمد البنا، قرار الهند بأنه “شأن داخلي”، ومن شأنه “أن يحسن العدالة الاجتماعية والأمن، ويعزز من ثقة الشعب في الحكم المحلي، ويشجع على المزيد من الاستقرار والسلام”. ولا يقتصر موقف دولة الإمارات على التعبير عن دعمها الصريح للهند فقط، بل يعكس أيضًا الحالة المتميزة التي تشهدها العلاقات الهندية الإماراتية، والتي ارتقت في عام 2018 إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وعلى عكس دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يمكن للمملكة العربية السعودية أن تتبنى وجهة نظر واحدة لصالح الهند – ولاسيما أن القوات الباكستانية تشارك في العمليات العسكرية على الحدود السعودية ضد الحوثيين في اليمن. وعلاوة على ذلك، فقد نشأت علاقة شخصية وطيدة بين ولي العهد السعودي ورئيس الوراء الباكستاني، عمران خان، والذي حضر فعاليات مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض في أكتوبر من العام الماضي. وفي فبراير، أعلن ولي العهد السعودي عن ضخ استثمارات في باكستان تصل إلى “20” مليار دولار أمريكي. وتنظر المملكة العربية السعودية أيضًا إلى باكستان على أنها بوابة لبناء علاقات أوثق مع الصين من خلال المشاركة في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، هذا بالإضافة إلى أشياء أخرى. وفي الوقت نفسه، تُحجم المملكة العربية السعودية عن إبعاد الهند، لأنها سوق رئيسي للنفط السعودي، وشريك اقتصادي متنامي. وفي نيودلهي، أعلن ولي العهد السعودي عن ضخ استثمارات تصل إلى “100” مليار دولار أمريكي في مجالات مثل تكرير النفط والأغذية والتكنولوجيا.

وبالتالي، وضعت تطورات الوضع في كشمير دول الخليج أمام خيار صعب. ويبدو أن دولة الإمارات العربية المتحدة سعت لإرضاء الهند على حساب باكستان. وتدرس دول الخليج الأخرى الخيارات المتاحة أمامها. غير أن موقف المملكة العربية السعودية مختلف تمامًا، وشديد الحساسية. ونظرًا لأنها موطن أقدس الأماكن الإسلامية، فقد يكون لموقفها من نزاع كشمير عواقب وخيمة في سباق محموم لقيادة العالم الإسلامي.

ولكن تلك قضية أخرى. …… [يتبع]….

يعمل “حسن الحسن” باحثًا في معهد الهند في كلية “كجنز” في لندن، وزميل مشارك لدى المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية. وعمل “حسن” سابقًا كبيرًا المحللين لدى مكتب النائب الأول لرئيس الوزراء البحريني.