الصراع غير المعلن داخل الطبقة السياسية الإيرانية وزيادة خطر اندلاع حرب مع الولايات المتحدة

دنيانيش كامات

AFP Photo: Atta Kenare

لقد انقلبت الطبقة السياسية الإيرانية على نفسها بعد أن أعادت الولايات المتحدة الأمريكية فرض العقوبات عليها. وكان للصراع غير المعلن تداعياته على السياسة الخارجية الإيرانية، إذ أرسلت طهران إشارات متناقضة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وهو ما قد يدفعكلٌ من الولايات المتحدة وإيران إلى إساءة النية بالطرف الآخر، ومن ثم تصعيد الأمر بسرعة في اتجاه الحرب.

ومنذ أن انسحبت أمريكا من الاتفاق النووي، وأعادت فرض عقوباتها على إيران، استمر المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي وحلفاؤه المحافظون في الهجوم على الرئيس روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، لأنهما في نظر الكثيرين هم المسئولون عن التخطيط للاتفاق النووي. ولعل أن إدراك مآل الوضع السياسي هو ما شجع روحاني على الدعوة مؤخرًا إلى الوحدة بين الفصائل السياسية الإيرانية كوسيلة لمقاومة العقوبات الأمريكية، حتى إن السياسيون المعتدلون المتحالفون حتى هذه اللحظة بدءوا في ترديد الانتقادات المتحفظة إلى الاتفاق النووي.

ويهدف “خامنئي” بانتقاده للاتفاق النووي إلى أربعة أمور: أولاً – النيل من مصداقية روحاني أمام الرأي العام الإيراني حتى لا يسعى إلى اعتلاء منصب المرشد الأعلى، وهو المنصب الذي من المرجح أن يكون شاغرًا على مدار العقد المقبل. وثانياً، توجيه غضب الشعب من الفشل الاقتصادي للبلاد إلى المعتدلين الإيرانيين (والذين يمثلهم روحاني-ظريف)، ومن ثم سحقهما سياسياً في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة. وثالثًا- إعاقة الجهود التي يبذلها “روحاني” في البحث عن حل تفاوضي للأزمة مستعينًا بحرس الثورة الإسلامية الإيرانية ووكلائه الإقليميين لشن هجمات محدودة على أمريكا وحلفائها في الشرق الأوسط. ورابعا – التأكد من احتفاظ الحرس الثوري الإيراني بمكانته كطليعة الثورة الإسلامية ضد الشيطان الكبير (أي أمريكا). ولأنه يسيطر على طرق التهريب الرئيسية داخل البلاد، فإن الحرس الثوري الإيراني سيستفيد اقتصاديًا أيضًا من عزلة إيران المستمرة عن التجارة العالمية.

وردًا على هذا التهديد الوجودي لمسيرتهما السياسية، اتبع روحاني وظريف نهجًا دبلوماسيًا سريعًا، حيث قلص روحاني هجمات المحافظين عليه بسحب إيران جزئيًا من الاتفاق النووي، بينما لا يزال ظاهريًا ملتزمًا به. وقد مكنته هذه الخطوة من الضغط على الأوروبيين لتطبيق الأداة المالية لدعم التبادل التجاري أو “INSTEX”، وهو نظام المدفوعات البديلة الذي استحدثته أوروبا لتجاوز العقوبات الأمريكية.وفي الوقت نفسه، شرع ظريف في جولة سريعة إلى العواصم الآسيوية لإخراج إيران من عزلتها الاقتصادية والدبلوماسية، غير أنه شعر بالإحباط من جراء تلك الزيارة، بعد أن وصل إلى نيودلهي في منتصف شهر مايو في خضم الانتخابات العامة في البلاد، للتفاوض مع ما كان في واقع الأمر حكومة انتقالية. ومع ذلك، فقد حصد “ظريف” مكاسب هامة في ظل التقارير التي تتحدث عن أن الهند ستواصل استيراد النفط من إيران من خلال تطبيق آلية بديلة للسداد. ويعتمد روحاني في جهوده الدبلوماسية على محور ثالث وهو نائب وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي”. وينصب هذا الجهد على البدء في مفاوضات ثانوية غير معلنة مع أمريكا وحلفائها الإقليميين. وفي أيار / مايو، زار عراقجي” سلطة عُمان، باعتبارها الوسيط التاريخي بين أمريكا وإيران. وفي زيارته إلى “الدوحة” بعد عدم أيام، أشار “عراقجي” أيضًا إلى استعداد إيران للتفاوض مع دول الخليج. وحتى في ظل المضي قدمًا في تلك الجهود الدبلوماسية، سيحرص روحاني وظريف على عدم قطع الوعود بإجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة طالما مادام انهم لن يتدخلوا في شئون البلاد الداخلية. ومع ذلك، هناك حقيقة باقية وهي بينما يفضل روحاني وظريف الدبلوماسية كوسيلة للخروج من الأزمة، يبدو أن “خامنئي” والحرس الثوري الإيراني يفضلان التهديدات، وزيادة التوترات الإقليمية عبر وكلاء الحرس الثوري الإيراني.وما بين هذا وذاك، من المرجح أن يكون الرد الأمريكي مرهونًا بمدى نجاح أيٍ من الأسلوبين اللذين تسلكهما طهران. وفي الآونة الأخيرة، كانت الولايات المتحدة ترسل هي الأخرى إشارات متضاربة إلى طهران. وعلى الرغم من تصعيد التوترات عن طريق إرسال قوات إضافية وصواريخ باتريوت وسفن حربية وقاذفات إلى منطقة الخليج، إلا أن الولايات المتحدة قد منحت روحاني وقتًا لالتقاط أنفاسه، وذلك من خلال ما صرح به الرئيس دونالد ترامب مؤخرًا حول عدم سعي بلاده إلى تغيير النظام في إيران. ومن غير الواضح ما الذي دفع “ترامب” إلى مثل هذا التصريح، فهو تعارض واضح مع توجه مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية. ومع ذلك، فإذا كان مثل هذا التصريح سيعود بالفائدة على روحاني داخل إيران، فمن المؤكد أن رد خامنئي وحلفاءه سيكون بزيادة العداء مع دول المنطقة. وفي الواقع، وحتى في الوقت الذي بلغت فيه جهود “روحاني” الدبلوماسية أوجها، أفادت التقارير بأن “حسين سلامي”، القائد الجديد للحرس الثوري الإيراني، أعلن أن إيران “على أعتاب مواجهة شاملة مع العدو”، وأن ما تمر به البلاد هو أوقات فارقة في تاريخ الثورة الإسلامية”.وهذا لا يبشر بالخير من حيث احتمالات تسوية هذا الصراع. ففي جميع الاحتمالات، سوف يعيد خامنئي التفاوض بشأن صفقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما ألمح إليه “خامنئي” عندما صرح: “بأنه لن تكون ثمة حرب مع الولايات المتحدة”، غير أن إجراء أي نقاش حول صفقة جديدة لن يحدث إلا بعد إضعاف روحاني بدرجة كبيرة.ومع ذلك، ما دام “خامنئي” وحلفاؤه مستمرون في استخدام السياسة الخارجية لتحقيق أهداف سياسية داخلية، فستبقى المنطقة مضطربة – ليس فقط لأن نجم “خامنئي” السياسي، وكذلك الحرس الثوري الإسلامي، في صعود حاليًا بسبب الانتصارات في سوريا والعراق، ولكن أيضًا لأن المرشد الأعلى يمتلك أكبر قدر من السلطة المؤسسية رهن إشارته بفضل النظام الحكومي الفريد في إيران.ويكمن الخطر في إرسال إشارات متضاربة هو في ان يتم فهمها بطريقة خاطئة من جانب واحد أو من كليهما. وعندما يتعلق الأمر بطهران أو واشنطن، فقد يؤدي خطأ بسيط إلى عواقب وخيمة.