بدلًا من تحطيم رموز العبودية البائدة يجب التركيز على الملايين الذين يتم استعبادهم اليوم

جوناثان جرونال

AFP Photo: Spencer Platt / Getty Images North America

على مدار الأسبوع الماضي تم الكشف عن تفاصيل مروعة حول مقتل جورج فلويد، فقد قام الشرطي الأبيض بخنق الرجل الأسود المكبل حتى الموت في مدينة مينيا بوليس وذلك عبر الضغط بركبته على رقبة الضحية، وقد كشفت اللقطات التي تم تصويرها عبر كاميرا مثبتة على جسد الشرطي عن أن فلويد كان يبكي قبل وفاته قائلًا “أخبر أطفالي أنني أحبهم.. أنا أحتضر”.

وقد ركزت الاحتجاجات التي أعقبت مقتل فلويد مرة أخرى على التماثيل التي تعُد رموزًا للتطرف، والتي لا تزال منتشرة في الأماكن العامة بالولايات المتحدة وأماكن أخرى. وتم تشويه أو إزالة عشرات التماثيل لجنرالات الكونفدرالية الذين خاضوا المعارك لأجل الحفاظ على العبودية خلال الحرب الأهلية الأمريكية وكذلك تجار الرقيق البريطانيين مثل إدوارد كولستون. كما ان المؤسسات العديدة التي لها روابط تاريخية مع العبودية،  مثل بنك بي جي مورجان شيس ثاني أكبر بنك في الولايات المتحدة وعملاق التأمين لويدز لندن،  كانت قد قدمت اعتذار وتعهدت بتقديم الإعانات التي تساهم في القضاء على العنصرية.

وبالنسبة لحركة “حياة السود مهمة” هناك خط مستقيم بين تجارة الرقيق عبر الأطلنطي وبين العنصرية المزمنة التي لا زالت تفسد حياة السود حتى اليوم، لكن استثناء القادة البيض ورجال الأعمال من الماضي الخاص بأوروبا وأمريكا، والمتعلق بتاريخ العنصرية المرتبطة بتجارة الرقيق سيجعلنا بلا شك نتجاهل حقيقتين.

الأولى هي أنه حتى زمن ليس ببعيد كانت العنصرية تُعامل على أنها سلوكًا إنسانيًا اعتياديًا، وتجار ومُلّاك الرقيق كانوا يعتبرون أنفسهم من “المسيحيين الطيبين”، والآن هم لا يشعرون بمعاناة شركائهم في الإنسانية، وبالتأكيد كل شخص من هؤلاء كان يتسم بالعنصرية وهذا يجعل الأمر غير مقبول على الإطلاق.

والحقيقة الثانية هي أن تجارة الرقيق ليست من اختراع كولستون، وقد مارس توماس جيفرسون ما هو أقبح من امتلاك العبيد، وقد مارس الجميع الاستعباد مثل السومريون القدماء والرومان وبالطبع القبائل الأفريقية التي طالما كانت فريسة لجيرانها بحثًا عن الربح، حيث يتم بيع هؤلاء في الشرق حيث العالم العربي أو في الغرب حيث مُلّاك العبيد الأوربيين.

ومنذ القرن السادس عشر دأب قراصنة شمال أفريقيا على مهاجمة الملاحة في البحر المتوسط والمدن الساحلية الأوربية، حيث كانوا يبحثون عن العبيد، وهناك قرى كاملة في أقصى الشمال مثل جنوب غرب انجلترا وأيرلندا وحتى آيسلندا تم تجريدها من الرجال والنساء والأطفال، وتهديد القراصنة البرابرة لم ينته إلا في بداية القرن التاسع عشر حين أمر الرئيس الأمريكي جيفرسون – وهو كان مالكًا للرقيق – بتوجيه الأسطول للبحر المتوسط، والمحصلة هي أن العبودية لم تظهر على يد جنرالات الكونفدرالية ولا عبر التوسع الاستعماري الذي قامت به أوربا.

ولا يقلل هذا من شأن الفظائع التي حدثت للبشر الذين وقعوا ضحايا لتجارة الرقيق عبر الأطلنطي – وهي التجارة التي كانت مختلفة عن أشكال الاستعباد القديمة حيث كانت تتم على نطاق صناعي شديد القسوة.

وماذا عن الأعمال الجيدة التي قام بها كل من جيفرسون وسيسيل رودس مؤسس الإمبراطورية البريطانية خلال القرن التاسع عشر، والذي تم إزالة تمثاله من جامعة أكسفورد التي استفادت من الإرث الذي تركه، وهل يجب السماح للعنصرية التاريخية الفاسدة بالتقليل من شأن الإنجازات التي قام بها هؤلاء، أم يجب علينا الأخذ في الاعتبار حياة هؤلاء والإرث الذي تركوه كلا في البيئة الخاصة به؟.

وربما تؤدي إزالة تمثال رودس لإرضاء هؤلاء الذين لا يشعرون بالراحة عندما يتم التعرض للحقائق التاريخية، لكن ما هي النتيجة؟، لو كان الهدف حقًا هو إغلاق تلك الصفحة من التاريخ والتظاهر بأن شيئًا لم يحدث؛ إذن يجب على كل طالب على قيد الحياة من طلاب رودس أن يعيد المنح التي تلقاها باسم العهد الاستعماري.

وفكرة رودس انعكست على مقتل جورج فلويد، وقالت المديرة التنفيذية إلزابيث كيس إن: “مبدأ العنصرية الذي يُتهّم به رودس الآن مستمر في دعم قوى عدم التكافؤ فضلًا عن زيادة المظالم الاجتماعية والاقتصادية في عالم اليوم”، كما أشارت إلى أن 20% من طلاب رودس اليوم هم من أصول أفريقية.

واليوم بفضل الكثير من الخريجين الذين أسهموا في تلك المنح على مدار سنوات؛ فإن إرث رودس الأساسي يمثل نسبة ضئيلة من المنح التي يتم تقديمها باسمه، وتقول كيس إن تلك المنح: “أثبتت أنه على مدار الأعوام المائة وسبعة عشرة الماضية نجحت المنح الدراسية الخاصة برودس في ترك بصمة وسمعة جيدة تتجاوز اسم مؤسس تلك المنظومة”.

وذات المبدأ ينطبق على أمريكا أو على أي مجتمع ازدهر في ظل العبودية، وبينما نحن نسحب تماثيل الرجال خارج الماضي الذي نبغضه، يجب علينا أيضًا أن ننظر للحاضر بعين الاعتبار، والواقع أن العبودية لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا.

ووفقًا لمؤشر مؤسسة “ووك فري” العالمية للرق فإن العام 2016 شهد 40 مليون شخص على مستوى العالم يعيشون تحت وطأة العبودية الحديثة، وهي “جريمة خبيثة تنتشر عبر الحدود الوطنية وسلاسل الإمدادات الدولية”.

ونحن – المستهلكون الدوليون الذين نغضّ الطرف عن الانتهاكات التي تتم في العالم النامي مقابل الحصول على الأزياء والتكنولوجيا والأطعمة الرخيصة؛ مدانون بنفس درجة إدانة مُلّاك العبيد في القرن السادس عشر.

والتاريخ يتسم بالتعقيد كما أنه غالبًا ما يكون مزعجًا، ومن السهل الإفراط في تبسيط التاريخ واستغلاله لخدمة القضايا المعاصرة، لكن هذا الأسلوب يتسم بالفشل على المدى الطويل، ولو أردنا إدراك الحقيقة يجب أن ننظر للصورة من جميع الزوايا، وألا نهتم فقط ببعض التفاصيل المعينة.

وإذا ما فشلنا في إدراك هذا الأمر، فلن نستطيع تحديد درجة ابتعادنا عن الإنسانية، والأهم هو أننا سنجهل العمل الذي يجب علينا القيام به في المستقبل.

 

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني ، كان يعمل سابقًا بِمجلة “تايم ، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط ، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.