على المجتمع الدولي التدخل لمنع السودان من الانزلاق في اتجاه الحرب

دنيانيش كامات

Image courtesy of AFP

تُعتبر استقالة عبد الله حمدوك من منصب رئيس وزراء السودان فشلا واضحاً للعملية الانتقالية، مع ما يحمل ذلك الفشل من عواقب وخيمة محتملة، ويجب على المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر ودول الخليج العربي، ضمان عدم انزلاق السودان نحو حرب أهلية.

وعندما تنحى حمدوك في 2 يناير، كشف بتنحيته حقيقة أن الحكومة السودانية كانت تحت سيطرة الجيش بالكامل، وعليه لم تمثل استقالته تلك، صدمة للشعب السوداني.

وعندما أخذ الجيش السلطة في شهر أكتوبر، بحجة الحفاظ على النظام في مواجهة الاحتجاجات، اعتبرت الحركة السودانية المؤيدة للديمقراطية تلك الخطوة بمثابة انقلاب.

وعلى الرغم من وضع حمدوك والعديد من زملائه في مجلس الوزراء رهن الإقامة الجبرية، فقد وقّع في النهاية اتفاق مع الجنرالات في شهر نوفمبر الماضي لإعادته كرئيس للوزراء، ولكن لم يتضمن ذلك الاتفاق تنازلات تُذكر من طرف الجيش، وكانت تلك هي اللحظة التي فقد فيها حمدوك مصداقيته تمامًا في نظر الحركة المؤيدة للديمقراطية.

وكان قراره، الذي علله في ذلك الوقت بحجة تجنب المزيد من العنف، هو أيضًا شكل من أشكال الفشل، ومنذ اتفاق حمدوك مع الجيش في شهر نوفمبر، بدأ الجنرالات في قمع احتجاجات الحركة المؤيدة للديمقراطية، مما أدى إلى مقتل ما يقرب من 60 شخصًا، وفي شهر ديسمبر أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات يعانين من عنف جنسي مُروع على أيدي الجيش خلال الاحتجاجات.

وقد فشل حمدوك، الذي لم تكن له قاعدة سياسية مستقلة، في أن يصبح جسراً بين الجيش والحركة المؤيدة للديمقراطية. كما فشل في انتزاع التنازلات من الجيش، وتحديداً في إقناع الجيش على التنازل عن السلطة حتى من خلال مراحل وخطوات.

وكان استيلاء الجيش السوداني على السلطة في أكتوبر دليلاً على أنه لا يستطيع رؤية فوائد التخلي عن السلطة، ربما خاف الجيش أن تؤدي الدعوات إلى العدالة الانتقالية إلى اعتقال قيادته العليا أو تسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن تقويض مصالحه الاقتصادية المهمة في السودان.

ويعد ذلك أيضا فشل للمجتمع الدولي.

وعلى الرغم من معارضة الحركة المؤيدة للديمقراطية، فإن قبول القوى الأجنبية لاتفاق حمدوك مع الجنرالات في شهر نوفمبر الماضي عكس عدم اهتمامهم بما يجري في السودان، ومنذ ذلك الحين، لم يضغط العالم الخارجي بشدة على الجيش للوفاء بالتزاماته تجاه ذلك الاتفاق.

وفي ظل الوضع الراهن، سيكون السودان قضية تركز عليها العقول في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول المجاورة، ومن المؤكد أن مصالح المجتمع الدولي في السودان لا تتطابق مع رؤى الحركة المؤيدة للديمقراطية.

على سبيل المثال، في مؤتمر باريس حول السودان في شهر يونيو، قالت حكومة حمدوك إنها سترفع الدعم عن السلع الأساسية كجزء من الاتفاق الذي تم عقده مع صندوق النقد الدولي، وقد أدى ذلك إلى تأجيج غضب الشارع ضد الحكومة وأعطى الجنرالات ذريعة مثالية لإقالة حمدوك ووزرائه في  شهر أكتوبر.

ويملك الجيش السوداني مؤيدين بين دول المنطقة، لأسباب جيوسياسية بالدرجة الأولى. ومع ذلك، فإن استقالة حمدوك هي أيضًا فشل للجيش، لأنه لم يعد بإمكانه إخفاء سيطرته على مفاصل الدولة.

ومع رحيل حمدوك، أصبح المشهد الآن معد لصدام مباشر بين الحركة المؤيدة للديمقراطية والجنرالات، ولا يوجد أي مؤشر على تقديم التنازلات أو التفاوض من قبل أي طرف، ويتعين على المجتمع الدولي التدخل وإدارة الانتقال السياسي في هذه المرحلة.

ومع ذلك، فقد تم الترحيب باتفاق شهر نوفمبر بين حمدوك والجنرالات في بيان مشترك من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وكان مصير ذلك الاتفاق هو سلة المهملات، ويشير هذا المستوى من التنسيق إلى وجود مخرج من المأزق الحالي.

وقد يعني ذلك المخرج موافقة الجنرالات على التنازل عن السلطة مقابل العفو عن جميع انتهاكات حقوق الإنسان ما عدى الانتهاكات الأكثر فظاعة.

وقد يشمل الانتقال أيضًا انسحابًا تدريجيًا طويل الأمد للجيش السوداني من اقتصاد البلاد، ومن المهم هنا أن يتمكن المجتمع الدولي، والذي يتحكم في التمويل المالي للسودان، من استخدامه كأداة لإقناع الجنرالات بالتخلي عن السلطة.

ومن الضروري أيضًا أن تتواصل الحركة المؤيدة للديمقراطية مع الجهات الفاعلة الإقليمية التي قد تملك علاقة جيدة مع الجنرالات وإقناعهم بأن ضرر الحرب الأهلية في السودان سيكون كارثي على المنطقة وأكثر ضررا من حكومة منتخبة ديمقراطيًا.

ومع رحيل حمدوك، يجب على الحركة المؤيدة للديمقراطية أيضًا البدء في تطوير رؤية سياسية لعملية الانتقال وكيفية ضمان إبقاء بعض من عناصر الجيش معها أثناء العملية، كما أن الجيش السوداني نفسه ليس كتلة متراصة، بل إنه يحتوي على فصائل عدة.

ويمكن للحركة المؤيدة للديمقراطية التفاوض مع صغار الضباط داخل الجيش.

ولن يكون أي من هذا ممكناً بدون رعاية المجتمع الدولي للعملية برمتها، إن حقيقة أن دول الشرق الأوسط تمر حاليًا بعملية تقارب مع بعضها البعض هي بشارة خير للسودان.

لم يفت الوقت بعد، يمكن للسودان أن يصبح نموذجًا للتحولات السياسية الناجحة إذا تمت إدارة العملية بشكل جيد، والبديل خطير للغاية بالنسبة للسودانيين وللعالم بأسره.

  

دانيش كامات هو محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا. كما أنه مستشار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للهيئات الحكومية والقطاع الخاص.