فتيل الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في طريقه للاشتعال

دنيانيش كامات

AFP Photo

لا شك في الوقت الراهن في أن فتيل الحرب بين إيران والولايات المتحدة في طريقه للاشتعال على نطاق واسع. فكل المحاولات التي قامت بها أيٌ من الدولتين لإجبار الأخرى على تغيير سلوكها لم تؤتي ثمارها، ويبدو الآن أن الصراع لا مفر منه.

ففي 22 أبريل، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها لن تتنازل مطلقًا عن العقوبات المفروضة على الدول التي تشتري النفط من إيران، وتدخل العقوبات حيز التنفيذ اعتبارًا من 2 مايو. ومن المتوقع أن تؤدي تلك العقوبات إلى انخفاض صادرات النفط الإيرانية من 2.5 مليار برميل يوميا قبل العقوبات إلى أقل من مليون برميل يوميًا، وبالتالي تفقد إيران “50” مليار دولار أمريكي سنويًا من عائدات النفط.

ومن المفترض أن يكون الهدف من تلك العقوبات هو أن تغير إيران من تصرفاتها تجاه جيرانها الإقليميين، غير أن المسؤولين في الإدارة الأمريكية لم يخفوا حقيقة أنهم لن يعارضوا تغيير النظام في إيران. وعلى أي حال، فإن الهدف من تلك العقوبات هو تدمير الاقتصاد الإيراني، وإشعال فتيل الصراع السياسي داخل البلاد.

وعلى المدى القريب، من غير المرجح أن يكون الرد الإيراني على تلك العقوبات فيه تجاوز للخطوط الحمراء التي حددتها واشنطن، كإغلاق مضيق هرمز، أو استئناف تخصيب اليورانيوم، لأن الإقدام على تلك الأمور من شأنه أن يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنفيذ عمليات انتقامية عسكرية وفورية. وبدلاً من ذلك، ستتخذ إيران سلسلة من التدابير الانتقامية ذات التأثير المزدوج، وأولها، فرض تكاليف عقابية على حلفاء أمريكا من خلال الدخول معها في صراعات صغيرة تشبه قليلاً مقدمات الحرب. وثانياً، ستعمل إيران على رفع أسعار النفط إلى المستوى الذي يؤثر على المستهلكين الأمريكيين، فضلاً على صحة الاقتصاد العالمي.

ومن المرجح أن تكثف إيران من وجودها العسكري في سوريا. ومن وجهة نظر نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي والمبعوث الخاص إلى سوريا، جول رايبون، فإن إيران تنظر إلى سوريا على أنها “موقعًا استراتيجيًا” لفيلق الحرس الثوري الإيراني لإنشاء قواعده العسكرية، المزودة بصواريخ متوسطة المدى، وطائرات بدون طيار ورادارات. وعلى الرغم من القصف الإسرائيلي، فمن المرجح أن يواصل الحرس الثوري الإيراني بناء قواعد للطائرات  المسلحة بدون طيار في سوريا. ولن تسمح إسرائيل بأن تكون تلك القواعد على مقربة من حدودها، ولاسيما أن وأن مناورات الطائرات بدون طيار التي نفذها الحرس الثوري الإيراني في مارس / آذار لم تدع مجالاً للشك بشأن الهدف المقصود من تلك المناورات – والتي وصفها الإيرانيون بأنها الأكبر من نوعها، وأطلق الإيرانيون على المناورات اسم “بيت المقدس” في إشارة واضحة إلى القدس.

وفي أكتوبر، من المتوقع أن تتولى شركة إيرانية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني السيطرة على ميناء اللاذقية، وهو الميناء التجاري الرئيسي في سوريا، وبهذا تضمن إيران لنفسها موطئ قدم شديد الأهمية بالقرب من إسرائيل، وطريق مباشر يصل من طهران إلى البحر الأبيض المتوسط لتزويد حزب الله بالأسلحة، والذي من المرجح، بعد عودته من انتصاره في سوريا، أن يوجه انتباهه إلى إسرائيل. علاوة على ذلك، قد تهدد سفن البحرية الإيرانية أيضًا الجهود الإسرائيلية والمصرية المستمرة لتطوير حقول الغاز في شرق البحر المتوسط، وبهذا أصبح المشهد مهيأً لحدوث مناوشات متكررة بين إسرائيل وإيران في الأشهر المقبلة.وفي دول الخليج، ستحافظ إيران على استمرار علاقتها المتوترة مع حلفاء أمريكا الإقليميين، ويكون لها ذلك من خلال الهجمات الإلكترونية على المنظمات السعودية والإماراتية، وإطلاق دوريات الطائرات بدون طيار الاستفزازية والقوارب السريعة بالقرب من ناقلات النفط والسفن البحرية الأمريكية، وإجراء اختبارات الصواريخ البالستية، وكلها مصحوبة بتصريحات عدوانية منتظمة من طهران. وفي الواقع، وفي 27 أبريل، أصدر الحرس الثوري الإيراني لقطة من فيلم تبين نجاح طائرة بدون طيار في مراقبة حاملة طائرات أمريكية في الخليج، وهو الادعاء الذي رفضته البحرية الأمريكية لاحقًا.ومن التدابير الأخرى المتاحة أمام طهران، هو تمكين حلفاءها الحوثيين في اليمن من إلقاء الصواريخ على المدن السعودية، بالإضافة إلى إثارة الاحتجاجات بين الشيعة في المملكة العربية السعودية والبحرين – وكل ذلك سيفرض تكاليف عقابية على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مع احتفاظ إيران بحقها في ممارسة سياسة الإنكار المعقول.وفي الداخل الإيراني، برز الحرس الثوري الإيراني كواحد من أهم الفاعلين السياسيين، ويحظى بدعم مطلق من طبقة إعلامية وسياسية خاضعة. وبعد أن صنفت أمريكا الحرس الثوري الإيراني بأنه جماعة إرهابية الشهر الماضي، حضر البرلمانيون الإيرانيون إلى البرلمان مرتدين الزي الرسمي للحرس الثوري الإيراني تضامنًا معه.وكل هذه التدابير محفوفة بالمخاطر، حيث أن ما قد تعتبره النخبة السياسية الإيرانية خطوات محسوبة، قد تتصاعد جميعها بسرعة وينتج عنها صراع كامل. علاوة على ذلك، فانه مع دخول كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية مراحل مهمة من التقويمات السياسية لكل منهما، فمن المحتمل ألا يتراجع أي من الجانبين.ومازال الطريق طويلاً أما الحرس الثوري الإيراني حتى يضمن تحكمه في عملية تحديد من يخلف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية “على خامنئي”. ويستطيع الحرس الثوري الإيراني التحكم في هذا الأمر إما بضمان صعود حليف له إلى أحد المناصب العليا، أو المناورة للتخلص من المنصب بالكامل. وفي غضون ذلك، سيستمر الحرس الثوري الإيراني في وضع نفسه كقوة طليعة في نزاع إيران مع أمريكا. ويشير التعيين الأخير لحسين سلامي، وهو رجل متشدد، كرئيس جديد للحرث الثوري الإيراني، إلى أنه من المستبعد بشدة أن يتابع الحرس الثوري الإيراني سياسة تخفيض التصعيد مع الولايات المتحدة.وهناك الحقيقة التي تزيد من مستوى التوتر العام في المنطقة وهي أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية قد تفيد أيضًا خصوم الحرس الثوري الإيراني، سواء كان رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، والذي يسعى إلى صرف انتباه الناخبين عن مشاكله القانونية المقبلة، أو كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي قد يبحث عن نصر حاسم في السياسة الخارجية بعد فشله في تحقيق مكاسب ملحوظة ضد كوريا الشمالية وفنزويلا.وتواجه إيران قضية من يخلف مرشدها الأعلى، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يقاتل ترامب لضمان نجاح السياسي في الانتخابات الرئاسية 2020. وتستفيد المؤسسات الحاكمة في كلتا البلدين محليًا من دق طبول الحرب. ولكن بصرف النظر عن الخطاب العام، لا توجد إشارات حتى الآن على أن أي من الطرفين قد أوضح بالكامل ما قد يحدث إذا بدأت الحرب.