صعوبة تحقيق الطموحات الايرانية في العراق بسبب تضييعها الفرص السياسية

دنيانيش كامات

إن معاناة إيران الاقتصادية والبحث عن خليفة لقائدها الاعلى  سيجعلها غير قادرة على الاستفادة من فراغ مركز القيادة في المؤسسة الدينية الشيعية في العراق ، وذلك سوف يؤدي إلى كبح جماح طموحات طهران الجيو سياسية، كما سيؤدي إلى التأكيد على الاستقلال الاستراتيجي للعراق على المدى الطويل.

وقد جاءت وفاة “آية الله محمود هاشمي شاهرودي” رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام (الهيئة المختصة بالفصل في النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور)، في الرابع والعشرين من ديسمبر لتكون بمثابة عائق أمام العمل الذي يقوم به النظام الإيراني، وقد ظل القائد الأعلى “آية الله علي خامنئي” لفترة طويلة يعمل على تجهيز “شاهرودي” ليصبح خليفته المختار، ومسقط رأس “شاهرودي” يقع في مدينة النجف العراقية، وقد كان متوقعًا له أيضًا أن يصعد ليكون رئيسًا للمرجع الأعلى في العراق، خلفًا ل”آية الله علي السيستاني”، أملًا في سد الفراغ بين المؤسسات الدينية في كل من إيران والعراق، والآن، ومع عدم وجود خليفة بشكل صريح لأي من خامنئي (79 عامًا) أو السيستاني (80 عامًا)، وكلاهما يعاني من متاعب صحية، فإن مصير القيادة الدينية في كل من إيران والعراق بات على المحك.

وطالما كانت لدى النظام الإيراني رغبة في السيطرة على شبكة المعاهد الدينية، الموجودة في مدينة النجف، وذلك لأسباب متنوعة، فرجال الدين بمدينة النجف العراقية التي تعُد المركز الروحي والسياسي للطائفة الشيعية في العالم الإسلامي؛ طالما تفوقوا على نظرائهم من رجال الدين في إيران، وذلك في ما يخُص التأثير وانتشار النفوذ في عالم المسلمين الشيعة، ومدينة النجف يوجد بها قبر علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه)، رابع الخلفاء الراشدين وأول إمام للشيعة، ويقوم الملايين من الحجاج الشيعة بزيارة النجف كل عام. ورجال الدين بمدينة النجف؛ بالإضافة إلى دورهم فيما يخُص التوجيه الروحي للمؤمنين، يقومون أيضًا بإدارة المؤسسات الخيرية، التي تتولى رعاية الفقراء من الشيعة ليس على مستوى العراق فقط، بل على مستوى العالم، وتلك المؤسسات تشمل مستشفيات ومدارس و”دور للأيتام” ومعاهد دينية، وتلك المؤسسات يتم تمويلها عبر الهبات والتبرعات والضرائب الدينية، والواقع أن سيطرة إيران على تلك المؤسسات الدينية العابرة للحدود سوف يقوي شوكة طهران ويحقق طموحاتها الخاصة بالهيمنة.

والسيطرة على النجف ستؤدي أيضًا إلى انهيار الصمود أمام أيديولوجية الحكم الإيرانية، ونظام “ولاية الفقيه” يعمل على إضفاء الطابع المؤسسي على رجال الدين داخل الحكومة، وهو النظام الذي يوجد على رأسه القائد الأعلى. ورجال الدين بالنجف عامة والسيستاني بشكل خاص طالما رفضوا نظرية ولاية الفقيه، ويفضلون عوضًا عن ذلك أن ينأى رجال الدين بأنفسهم عن السياسة بشكل تام، وعلى سبيل المثال، بعد وقت قصير من سقوط صدام حسين في العام 2003؛ أشار السيستاني إلى تأييده لتأسيس دولة مدنية في العراق، وتشكيل حكومة بعد إجراء انتخابات تشارك فيها أحزاب متعددة، وأن تحصل تلك الحكومة على الشرعية عبر الحصول على أصوات الناخبين العراقيين، بدلًا من تنصيب حكومة من رجال الدين على غرار إيران.

وهناك حالة نادرة تدخّل خلالها السيستاني في الشأن السياسي، وطالما كان هناك تعارُضًا بين توجهاته وبين المصالح الاستراتيجية الإيرانية، وقد أصدر السيستاني فتوى في العام 2014 يدعوا فيها الشعب العراقي إلى الدفاع عن أرضه ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقد تم تفسير تلك الفتوى على أنها تأكيد على قيام المواطنين العراقيين بالدفاع عن بلادهم دون أن يتم ذلك كحلقة من حلقات الصراع العابر للحدود، وأن يمنع التدخُل الإيراني في هذا الإطار، وفي ذات العام، كان هنك تدخُلًا جديدًا للسيستاني أسفر عن استقالة “نوري المالكي”، رئيس الوزراء العراقي الموالي لطهران، وهو الرجل الذي كان عاجزًا ومثيرًا للجدل خلال المواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ومن أجل الإبقاء على إيران بعيدة عن الساحة السياسية العراقية، دعا السيستاني العام الماضي بشكل صريح إلى عدم مشاركة الحشد الشعبي في الانتخابات العامة العراقية، تلك المنظمة المدعومة من طهران والتي خاضت القتال ضد تنظيم (داعش). وفي بداية فبراير أصدر السيستاني بيانًا يعلن فيه عن رفضه “استخدام العراق كمنصة انطلاق من أجل إلحاق الأذى بأية دولة أخرى”، والمعروف أن السيستاني كان يقصد بتصريحاته كل من إيران والولايات المتحدة.

ويكفينا القول أن إيران سوف تعمل على إيجاد المزيد من الفرص السياسية على الساحة العراقية خلال فترة ما بعد السيستاني، وعلى أي حال، فإن تلك العملية لن تكون بمثابة نزهة بالنسبة لطهران، والأحزاب الموالية لإيران فشلت في الفوز بالانتخابات العامة التي جرت في العراق العام الماضي، وتلك الأحزاب باتت بعد الانتخابات جزءًا من عملية سيادة مشتركة مع الكتلة القومية الشيوعية التي يقودها “مقتدى الصدر”.

AFP PHOTO/HAIDAR MOHAMMED ALI