العراق: “الميمات” والاحتجاجات وحدها لا تصنع ثورة

نبراس الكاظمي

AFP Photo: Ahmad Al-Rubaye

يعقب المتظاهرون في بغداد وفي معظم جنوب العراق على وصف حركتهم الاحتجاجية، والتي شرعت في الدخول الى شهرها الثاني، على انها نذير ومقدمة “للثورة”. والغاية من ثورتهم هي الازالة الراديكالية والجذرية للطبقة السياسية الحاكمة منذ عام 2003، سواء اتت الازالة عن طريق الوسائل الدستورية أم لا. ولكن، وكما كان الحال مع الخمير الحمر و “عام الصفر” في كمبوديا عام 1975 ، أو “السنة الأولى” لدى اعلان الجمهورية الفرنسية في عام 1792، نادراً ما تتأطر هكذا ثورات ضمن فكر واضح أو رؤية سياسية. بل انها عادة تكون بمثابة مدخل الى المجهول وما يترتب على ذلك من سفك للدماء.

 وهذا ما نراه حاليا في العراق.

 نريد وطن” هو الشعار الرئيسي للمتظاهرين ، فضلاً عن علامة الهاشتاغ الاكثر انتشاراً لثورتهم. لهذا الحين، اتفقوا على أن هذا الوطن يجب أن يكون خالياً من الأحزاب السياسية الفاسدة والتي هي ايضا منساقة بصورة غير مبررة لدى رجل إيران في العراق، الجنرال قاسم سليماني. يقوم المتظاهرون بإنتاج محموم للـ “ميمات”—وهي وحدات ذات قيمة ورمزية ثقافية، تتضخم وتنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي—حول هذين الموضوعين التوأمين، اي رفض الامر الواقع، والمناداة بالسيادة.

 ثورتهم تمتاز بروح شبابية وبقيم الشجاعة والمساواة والإيثار. كما أنها مدروسة بعناية من ناحية كيفية تقديم صورة عن المراهقين وهم يتعرضون للقمع الهائج تستطيع به اثارة تعاطف المتلقين والمتابعين. وصلت الاعداد الى مئات القتلى وآلاف الاصابات لحد الآن. وتم رفع سائقي “التك تك” المتواضعين وعرباتهم الآلية إلى درجة الايقونات البطولية لقيامهم بتحدي الذخيرة الحية ونيران القناصة في نقل المصابين إلى حيث تتواجد نقاط الرعاية الطبية. ولا أحد يتضور جوعًا عند المتاريس بفضل التبرعات السخية من ناحية الطعام أو الوقود أو الأدوية أو معدات الوقاية.

 كل هذه الامور ساهمت في خلق اجواء كرنفالية استقطبت جموعا من العائلات العراقية وهي تتوافد لالتقاط صور سيلفي على الحواف الخارجية الآمنة للاحتجاجات.

 المشاهد قد تبدو للناظر وكأنها ثورة. وقد يشعر من يقف في خضمها على انها فعلا كذلك. لكن، للأسف، هذه ليست ثورة ولا من المحتمل أن تصبح ثورة. وحتى عملية اعادة تعريف “الوطنية العراقية” بصيغتها الجديدة –والتي تمتاز بالتسامي عن الطائفية والجنوح الى الاستقلالية الكليّة – قد تتلاشى هي ايضا، لأن هذه هي طبيعة لحظات النشوة والابتهاج في اعمار الشعوب، فهي بالكاد ستدفع التاريخ إلى الأمام إن لم تستند على ارضية فكرية صلبة.

 يمكن للمرء أن يجادل بأن الانشراح الفكري لدى الامم يبدأ بلحظات كهذه، حيث يتم تصفير التاريخ وكتابة سيرة جديدة لها على لوح طيني طازج وطري، كما لا ينبغي لنا أن نتوقع من الشباب الثائرين أن يكون لديهم كيان جديد ومتكامل لإستبداله مكان الهيكل القديم الذي سيهدمونه. ولكن، فإن العراق “الجديد” واليافع قد دخل بالفعل عامه السادس عشر—وهو مقارب لأعمار الكثير من المتظاهرين—ومع ذلك لم تستطع النخبة الفكرية ان تستثمر هذا الوقت ولا هذه المساحة كي تأتي بمعالجات لما يلم بالبلد من علل.

 الدستور العراقي، والذي تم اقراره ضمن استفتاء شعبي واسع في أكتوبر 2005 ، يجعل من هذه المهمة امرا سهلا، لأنه يتناسب بصورة جيدة مع بلد مثقل بالتعقيدات مثل العراق. في حين يُعد تعديل هذا الدستور الآن مطلبًا أساسيًا لدى المتظاهرين، رغم أنهم لم يوضحوا بعد التغييرات التي يريدونها. ويبدو أن معاقبة الطبقة الحاكمة هي الدافع الرئيسي لرغبتهم هذه، وهذا العقاب سيأتي في التخلي عن مقومات النظام البرلماني واسلوب الادارة اللامركزي واستبدالهما بنظام رئاسي تحت ظل “القائد العظيم” ذو الصفة الابوية، ولعله سيكون ضابطًا عسكريًا في مخيلة كثير من الساخطين على الامر الواقع.

 ولدى الكثيرون مرشح لهذا الدور الا وهو الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، والذي يعتبرونه المنتصر على تنظيم “داعش”، وقد تم تفسير عزله عن موقعه واعادة تكليفه بمهام اخرى قبل أيام قليلة من الاحتجاجات على انها خطوة انتقامية قام بها رئيس وزراء مكروه، يهاب شعبية الساعدي، فتزامنت تلك الخطوة مع اثارة الأحداث الحالية وكانت شرارة لأنطلاقها.

 كل هذا وقصة العراق الحزينة تزدحم بالضباط العسكريين المتهورين الذين اطلقوا انقلابًا كارثيًا تلو الآخر. لكن قلة قليلة من المفكرين تصدوا لأمنيات العامة بقيام ضابط بإعتلاء السلطة مجددا.

 لا شيء مما سبق مفاجئ أو غير متوقع. ففي أغسطس 2015، عندما كان التهديد الذي يمثله جهاديون أبو بكر البغدادي في ذروته، اندلعت ساحة التحرير ببغداد بمظاهرات مناهضة للطبقة الحاكمة ومناهضة للفساد. استمرت هذه التظاهرات لعدة أشهر فاخافت الطبقة الحاكمة ودفعتها الى اطلاق الوعود بإصلاحات جذرية. ثم اتت الانتخابات العامة في ايار 2018 كفرصة لمعاقبة الطبقة الحاكمة لعدم ايفاءها بتلك الوعود. لكن الأحزاب المهيمنة سادت مجددا على نتائج الاقتراع.

 مستوى الفساد في العراق يصل الى حالة غير مسبوقة عالميا من ناحية حجم كتلة الدولارات التي يتم تبذيرها أو اختلاسها أو سرقتها بشكل مباشر. الصحافة ليست حرة تمامًا ولكن هناك حيز إعلامي متساهل نسبيا مما يسنح لهذا الوسط ان يحقق وينشر إن اراد واصر. ومع ذلك، فشلت الصحافة العراقية، وهي ركن مهم من اركان النخبة الفكرية، في كشف أي من حالات الفساد الأكثر فظاعة. فلم يستشعر اي من “حيتان” الفساد الكبار بأي خطر حقيقي من ناحية تحقيق صحفي في كيفية استحصاله على هذه الثروات الهائلة.

 يجب أن يكون المتظاهرون الشباب على دراية بهذه التفاصيل، لأسباب ليس أقلها أنها توضح ما تم تجربته بالفعل من قبل. لكنهم يفضلون العدمية والهدم السريع، ويُعتبر تعلم الدروس من الماضي في اوساطهم أمرًا رجعياً لا فائدة منه في مسعاهم إلى إعادة تشكيل العالم.

 حتى خبر مقتل البغدادي قبل أسبوع، والذي تسببت رؤيته العدمية و”الثورية” في سبيل احياء الخلافة بدمار هائل للبلد وتركيبته المجتمعية، لم يكن سوى الخبر الخامس أو السادس في جدول الاخبار اليوم. ولم يكن مدعاة للتوقف والتأمل قليلا فيما يعنيه الخبر في سردية قومهم.

 هذه ليست علامة صحية.

 بالطبع سيحتاج العراق إلى اعادة صياغة تعريف الوطنية فيه، لكن هذه العقيدة التي تضمن تعايش التناقضات ستأتي من خلال مفاوضات تدار بعناية والتي ستتدارس في جميع جروح ماضي البلد القريب. الشعوبية العاطفية—والتي قد تكون أخّاذة في شكلياتها ولكنها سطحية في اعماقها—هي رفاهية مغامراتية لا يمكن ان تتحملها سوى الدول ذات الأساطير والسرديات الوطنية الثابتة والمتينة.

 هؤلاء الشباب المرابطين على المتاريس يتباهون بإزدراءهم للمتفلسفين والمثقفين، وهم يحتقرون الوسطاء السياسيين الذين يقومون بالعمل الجاد والبطيء للتفاوض ما بين المصالح الراسخة والدفع بإتجاه تسويات صعبة لها ان تخفف المخاوف المتبادلة ما بين هذه الفئة او تلك.

 لكن التاريخ لم يبدأ في يوم الأول من تشرين الأول (أكتوبر)، ولا يمكن أن تقوّم امة جديدة فقط بالنيات الطيبة لدى شباب حلماء حالمون، فالامم لا تنهض بالميمات المجرّدة.