احتجاجات العراق أسفرت عن مخاوف بين الأكراد من مسألة إعادة النظر في الدستور

Burcu Ozcelik

AFP Photo: Safin Hamed

بدأت الاحتجاجات المناهضة للحكومة العراقية في صورة توبيخ للحكومة بسبب فشلها في توفير الخدمات الأساسية المُلائِمة، فضلًا عن ارتفاع نسبة البطالة والفساد، لكن تلك الاحتجاجات أيضًا شهدت تطورات، شأنها شأن أي حركة احتجاجية في أي مكان، ومطالب المحتجين الآن ذهبت بعيدًا بما فيها وضع حد للتدخُل الإيراني في السياسة العراقية والمطالبة بإجراء إصلاحات دستورية. والآن، بينما يمكن لنا أن نتفهّم مقاصد تلك الاحتجاجات، فإن تداعيات إخضاع وثيقة تم “الاتفاق عليها” لمفاوضات جديدة، تختص بالتسوية الداخلية في العراق، ستؤدي إلى العديد من المشكلات، وربما يكون أكراد العراق، هم أول من يلحظ تلك العملية.

وبعد مقتل محتجين مدنيين برصاص القناصة، فإن المحتجين يطالبون الآن بإعادة النظر في الدستور وتغيير قوانين الانتخابات، وهي العملية التي تؤدي بالتبعية – من وجهة نظر المحتجين – إلى التأكيد مستقبلًا على تشكيل حكومة مُمثِّلة للشعب وتتمتع بالشفافية، وبعيدة عن التدخُل الإيراني. إن التدخُل السافر لإيران والقوى التي تقاتل عنها بالوكالة، اي وحدات الحشد الشعبي، بات مصدرًا للاستياء الشديد، مما أدّى إلى تأجيج تلك الاحتجاجات. وإيران التي برعت على مدار التاريخ، في لعبة المناورات الجيوسياسية، نجحت في الهيمنة على السياسة الداخلية العراقية منذ العام 2003، وقامت بالتأثير في قادة سياسيين، مثل رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي نجح بالزج بالعراق لأن تسير في فلك إيران، منذ العام 2006 حتى العام 2014، حين سقطت مدينة الموصل في يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

أما إقليم كردستان العراق، والذي وصفته جماعات الضغط الأمريكية “بالعراق الثاني” لأجل تسليط الضوء على الحالة الكردية الاستثنائية في عراق ما بعد الاحتلال، هذا الإقليم، نجح أن يبقى متوافقًا مع الاحتجاجات التي اندلعت بداية أكتوبر. وبينما كان أغلب المحتجين في “ساحة التحرير” بالجنوب هم من الشباب، فإن الشباب والشابات الأكراد وجدوا أنفسهم بمنأى عن الفوضى التي انتشرت في باقي عموم البلاد، وقد شاهد الأكراد تلك المظاهرات على أنها ثورة قام بها الشباب من الشيعة ضد مؤسسات النخبة الشيعية التي باتت غارقة في المحسوبية والبيروقراطية مما ألحق الضرر بالفقراء خاصة الطبقة العاملة، وحشود الشباب العاطلين عن العمل في الجنوب العراقي. والواقع أن الكثير من الأكراد لا يعتبرون أنفسهم عراقيين وربما لم يتم اعتبار هؤلاء على أنهم عراقيين في يوم من الأيام، ونحن نقصد هنا شباب الأكراد الذين أتوا في حقبة يميزها الاستقرار النسبي في إقليم يتمتع بالحكم الذاتي، حيث بات يتمتّع بالأمان منذ العام 1991، حين قام التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، بإطلاق عملية “توفير الراحة”، عقب حرب الخليج الأولى، لأجل تأمين الأكراد.

وقال لي صحفي محلي مقيم في أربيل “نحن نأسف لموت المحتجين”. والأكراد الآن يدركون جيدًا كيف ستكون النهاية سيئة، في حالة مواجهة عنف غير متكافئ مع قوات النظام. لكن الكثير أيضًا يفكرون بطريقة أنه “لماذا أتعاطف الآن مع العراقيين في البصرة وهؤلاء لم يدعموني كي أنال حقوقي لعشرات السنين، ولماذا أدعم مطالبهم وهُم الذين رفضوا نتائج الاستفتاء الديمقراطي الذي تم إجراءه في العام 2017 من أجل استقلال إقليم كردستان العراق؟”.

وعلى أي حال، فإن الأكراد ليسوا آمنين بشكل كامل من التقلبات السياسية التي تشهدها باقي مناطق العراق. وقد قام برهم صالح الرئيس العراقي حاليًا ورئيس وزراء إقليم كردستان العراق سابقًا، بزيارة أربيل في بداية نوفمبر، لفتح نقاش مع البرلمانيين في أربيل حول مسألة التعديلات الدستورية التي تعُد جزءًا من حزمة الإصلاحات التي تم عرضها بغرض تهدئة المحتجين. وعلى أي حال، فإن الساسة الأكراد أعلنوا أن لهم تحفظات على مسألة تعديل الدستور الحالي. والواقع أن البعض قد حذّر من أن الأحكام الدستورية النهائية، سيتم إعادة النظر فيها، والحقيقة أن الوثيقة الدستورية التي تم التصديق عليها في العام 2005 تعترف بإقليم كردستان العراق على أنه كيان اتحادي شرعي.

وحسب وصف رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، فإن “المشكلة الكبرى لا تكمن في الدستور، لكن.. الحقيقة أن هذا الدستور تم تجاهله”. وقد أبدت الأحزاب الكردية تحديدًا، معارضة شديدة لسنوات، فشلت خلالها بغداد في تطبيق المادة 140 من الدستور، التي تنص على البدء بعملية سياسية لتحديد مستقبل كركوك.

والآن، فإن إعادة طرح مسألة الدستور للنقاش، أثارت القلق بشأن الادعاءات الكردية في كركوك. وقد حذّر محافظ كركوك الأسبق نجم الدين كريم من أن هناك “تهديدات تتعرّض لها كركوك وكردستان وأن التهديد الرئيسي، يتمثّل في إنكار الهوية الكردية بالنسبة للمناطق المتنازع عليها”.

والواقع أن التقارير الأخيرة تكشف عن القيام برفع صور آيه الله علي السيستاني أكبر سلطة شيعية في العراق أمام المباني الحكومية، والمركبات التابعة لقوات الأمن التي تسير في المناطق المتنازع عليها بكركوك. وكان إقليم كركوك، قد شهد نزاعًا طويل الأمد بين سكانه، الذين يتألفون من الأكراد والعرب والتركمان والمسيحيين، وكذا كان هناك نزاع على الجانب السياسي الأوسع، والخاص بالسيادة على كركوك، بين الحكومة الإقليمية الكردية في أربيل والحكومة الفدرالية في بغداد. وظهور شخصية السيستاني بجلاء على مستوى كركوك سيكون ناتجًا في الغالب الأعم عن عمل إحدى الفصائل الشيعية التي تسعى لفرض الشرعية الدينية والسياسية على المدينة المقسمة. وهذا يعكس الجهود الحزبية، التي تعمل في الجانب الآخر من العراق، الا انه يمكانها تصدير المتاعب إلى كركوك.

إن قرار الحكومة العراقية بإجراء حوار وطني لمراجعة منظومة الحكم والدستور ابرز مخاوف من أن يتحول إلى خطوة رمزية إذا لم تتم إصلاحات حقيقية فيما يتعلق بالطريقة التي يتم بها حكم العراق. وذلك لأن الواقع يقول أن الأزمة الحالية، هي نتاج سوء أداء الحكومة، ولا علاقة لتلك الأزمة بالدستور. والحقيقة أن فتح نقاش حول وثيقة وطنية، تم التصديق عليها منذ 10 سنوات، من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من المركزية في الحكم، وتمثيل أقل للأقاليم، ومن ثم الدخول بالبلاد في النهاية إلى مرحلة من الفوضى.

ويجب على المحتجين في العراق أن يكونوا حذرين بشأن ما يطمحون إليه.

بيركيو أوزاليك هو زميل باحث في جامعة كامبردج