الجمود الذي تشهده الموازنة العراقية وخطورة ذلك على استقرار البلاد في المستقبل

كيرك ه. سوويل

رغم أن رئيس الوزراء العراقي – عادل عبد المهدي – لم يمضي في منصبه هذا سوى شهرين فقط، إلا أنه اضطر إلى إجراء أول تغيير سياسي بارز له – فيما يتعلق بموازنة العام القادم، ويعود ضعف موقف عبد المهدي إلى حقيقة أنه لا يمتلك قاعدة تشريعية بسبب عدم مشاركته في الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في شهر مايو. أضف إلى ذلك، أن عبد المهدي ورغم أنه “اختيار توافقي” لمنصب رئيس الوزراء، إلا أن الأغلبية التي اختارته لم تتفق على السياسات التي يفضلها “عبد المهدي” – لأنهم اختاروا الرجل نفسه وليس برنامجًا انتخابيًا. ومازال رئيس الوزراء العراقي “عبد المهدي” عاجزًا أيضًا عن تشكيل وزارته والتي ينقصها ثماني وزارات حتى الآن. غير أنه وعلى الصعيد السياسي، يبقى النجاح والفشل في إدارة الموازنة العراقية من مسؤولية رئيس الوزراء.

ومن المسلم به أن حالة الجمود تلك لا تدل على اقتراب حدوث أزمة سياسية، بيد أنها تشكل عائقًا أمام الاستثمار في مشروعات البنية التحتية ذات الأهمية القصوى والتكلفة الضخمة، ولهذا الأمر تداعياته على السلم الاجتماعي واستقرار النظام في المستقبل.

وفي هذا السياق، كانت حكومة رئيس الوزراء العراقي “حيدر العبادي” المنتهية ولايتها في شهر أكتوبر قد اعتمدت المسودة الأولية لمشروع قانون الموازنة، واعتمدها لاحقًا هذا الشهر مجلس الوزراء الذي يرأسه رئيس الوزراء عبد المهدي، وفي مطلع شهر نوفمبر، أعاد مجلس الوزراء صياغة الأرقام الرئيسية لزيادة بنود الإنفاق. ورغم أن قيمة العائدات المقدرة هي نفسها الواردة في مسودة الموازنة التي أعدتها وزارة “العبادي”، إلا أن وزارة “عبد المهدي” قد رفعت قيمة الإنفاق من “108,7” مليار دولار أمريكي إلى “111,9” مليار دولار أمريكي. وعلى النقيض، تبلغ قيمة النفقات ضمن موازنة العام الحالي “88” مليار دولار أمريكي فقط. وجاء هذا التضخم في بنود النفقات على أمل أن يظل الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط هذا العام مستمرًا على مدار العام 2019. وبدلاً من هذا، تهاوت أسعار النفط بشدة في الشهر الماضي، وفي الوقت نفسه، استمرت عائدات ضرائب المنتجات غير البترولية في التراجع.

ورغم الزيادة الكبيرة في نفقات العام 2018، انتقد المشرعون وبشدة موازنة العام 2019 بسبب “تقشفها”، حيث واجهت الحكومة أثناء جلسات البرلمان انتقادات لاذعة من أعضاء البرلمان ومنهم أعضاء من الكتل الرئيسية التي دعمت ترشح عبد المهدي رئيسًا للوزراء، وهاجم النائب “رزاق محيبس” عضو تحالف فتح الحكومة بسبب فشلها في مراعاة حاجة الدولة إلى إعادة الإعمار، وأعلن “صباح السعد” عضو كتلة سائرون التابعة لرجل الدين “مقتدى الصدر” أن الموازنة “لن تلبي معظم المتطلبات الأساسية للشعب من الخدمات العامة”.

ونتيجة لذلك، وافقت الحكومة على تشكيل لجنة مشتركة تضم مشرعين ومسؤولين من وزارة المالية لإعداد نسخة جديدة من مشروع قانون الموازنة، ويفترض أن تكون ثمة زيادة كبيرة في بند النفقات في تلك الموازنة، وتعمل الحكومة في الوقت الحالي على إنجاز هذا الأمر.

إن الجمود بشأن الموازنة العراقية لا يشكل بالضرورة أزمة وجودية للإدارة العراقية، وذلك لأن الحكومة العراقية لن تسقط بسبب فشلها في تمرير مشروع قانون الموازنة أو أي تشريع آخر، وبخاصة، أن فشل الحكومة في إقرار الموازنة في الأول من شهر يناير لن يمنعها من الاستمرار في مهام عملها لأن القانون يسمح للإدارة أن تنفق كل شهر 1/12 من مخصصات العام السابق في حال اذا ما بدا العام بدون اعتماد الموازنة. ويبقى أن الحكومة لن تتمكن من اتخاذ خطوات سياسية مشروعة إلا في ظل موازنة رسمية، وأكثر ما يمكنها فعله وبشكل ملحوظ هو إبرام اتفاقيات قروض مع الكيانات الأجنبية. ورغم أن وزارة التربية العراقية، على سبيل المثال، مازال في إمكانها دفع رواتب المعلمين، فلا يمكنها تخصيص رأس مال لبناء مدارس جديدة – ولا تستطيع الحكومة أيضًا، لنفس السبب، بناء مستشفيات جديدة وغيرها من البنية التحتية التي تحتاج إليها البلاد بشدة.

وتكمن المشكلة طويلة الأجل في أنه في ظل عدم وجود مسائلة قانونية داخل الأوساط السياسية بشأن الموازنة المالية، فإنه من الصعوبة بمكان على دولة العراق أن تسيطر على ديونها القومية المتزايدة، ويشهد الواقع أن الحكومة العراقية لا تستطيع زيادة الموازنة كيفما تشاء. وبلغت عائدات النفط في شهر نوفمبر “6,2” مليار دولار أمريكي وذلك عندما بلغ متوسط سعر النفط الخام “61” دولار أمريكي للبرميل، وينخفض سعر البترول العراقي فعليًا عن خام برنت بقيمة “5” دولار أمريكي والذي انخفضت قيمته في نهاية شهر نوفمبر ليسجل حوالى 60 دولار أمريكي للبرميل، كما سعت الحكومة العراقية إلى زيادة عائداتها من القطاع غير النفطي والذي يشهد وضعًا سيئًا. ورغم أن موازنة العام الحالي توقعت أن تبلغ العائدات 12,3″ مليار دولار أمريكي من المصادر غير النفطية، إلا أن الحكومة قد اضطرت إلى خفض توقعاتها من القطاع غير النفطي خلال العام 2019 إلى “10” مليار دولار أمريكي. وعلى افتراض أن سعر خام برنت استقر على 55-65 دولار أمريكي، فإن إجمالي نفقات التشغيل ستكون بالكاد 82,6 دولار أمريكي، وهو ما يقتضي تمويل المشروعات الرأسمالية جميعها من خلال القروض.

إن العراق لا يواجه خطرًا محدقًا بسبب أزمة الديون، غير أن مسار الإنفاق الحالي سيدفع بالحكومة العراقية إلى الموازنة بين تمويل رأس المال والدين المتزايد. وفي نهاية العام 2017، بلغت الديون العراقية “123” مليار دولار أمريكي وهو مبلغ يمكن السيطرة عليه بالنظر إلى أسعار الفائدة المنخفضة على قروضها السيادية، وكان من الممكن أن تبلغ تلك الديون مستويات قياسية لو أن الحكومة العراقية، على مدار السنوات الماضية، قد اقترضت ما يكفيها من أموال للإنفاق على جميع احتياجاتها من البنية التحتية، وحتى تتمكن الحكومة العراقية من ذلك، يتعين عليها إضافة “25-30” مليار دولار أمريكي إلى موازنة العام 2019 والأعوام التالية في مدة رئيس الوزراء “عبد المهدي”، وهو ما يجعل الديون العراقية تفوق إجمالي الناتج المحلي بنسبة تزيد عن “100%”.

ولولا أن الأطياف السياسية لم تقر بحاجتها إلى خفض النفقات على الخدمات المدنية المتضخمة – في ظل عدم زيادة أسعار النفط زيادة هائلة- لكان للحكومة العراقية أن تتفادى عبء الدين الذي لا يمكن تحمله فعليًا إلا بالتوقف عن المشروعات الرأسمالية. غير أن الإقدام على خفض النفقات على الخدمات المدنية سيعمل على استمرار الأزمة الاجتماعية الحالية التي تشهدها البلاد وما يعقبها من موجات من الاحتجاجات اعتراضًا على نقص الخدمات العامة وهو ما سيزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد.

وتعد ازمة الموازنة الحالية، هي الازمة الأولى التي تظهر إدارة عبد المهدي، والتي تفتقر إلى الدعم البرلماني، وكأنها إدارة ضعيفة وغير مؤثرة، ومن المؤكد ان تلك الازمة لن تكون الأخيرة. ورغم اعتقاد البعض منذ سنوات أن “عبد المهدي” هو التكنوقراط الأمثل”، الا انه عليه ان ينجح كقائد وطني في تغير العملية السياسية الخاصة بإدارة العراق لموازنتها وذلك عن طريق إعطاء أولوية أكبر للقطاع العام مع الاهتمام في الوقت ذاته بتشييد البنية التحتية اللازمة للبلاد.

AFP PHOTO/Haidar MOHAMMED ALI