خطة العراق لتهميش الميليشيات المدعومة من إيران قد ينتهي بها الأمر إلى تنامي قوة إيران

فيصل اليافعي

AFP photo: Haidar Hamdani

على مدار شهر يونيو / حزيران، شهدت العراق سلسلة من الهجمات في ظل ظروف غامضة، حيث تم استهداف ثلاث قواعد أمريكية ومجمع لشركة نفط أمريكية. ولم يعلن أحد مسؤوليته عن الهجمات، لكن اللوم يقع على عاتق الميليشيات المتحالفة مع إيران، والسعي إلى الانتقام من العقوبات المشددة ضد طهران.

وعلى خلفية التوترات المتزايدة في جميع أنحاء الخليج، أصدر رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، مرسومًا مهمًا في الأول من يوليو/تموز، يقول : لدي جميع ميليشيات قوات الحشد الشعبي، وهي مظلة تضم في أغلبها الميليشيات الشيعية التي قادت الحرب ضد داعش، مهلة حتى نهاية الشهر للإندماج بشكل كامل مع الجيش الوطني.

ويأتي هذا المرسوم كمحاولة لاتخاذ موقف متشدد مع قوات الحشد الشعبي والتي تتصرف غالبًا خارج سيطرة بغداد، وتحصل على التمويل بل والتوجيه من إيران. ورغم ذلك، هناك غموضًا استراتيجيًا، غموضًا يمكن أن يفرض إما سيطرة العراقيين على الميليشيات، أو ينتهي بمنح إيران نفوذًا أكثر في العراق.

إن مشكلة قوات الحشد الشعبي ليست بالجديدة، فمنذ هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ويحاول السياسيون ضم 140،000 مقاتل خبير بالمعارك إلى الجيش النظامي، وذلك مخافة أن يمتلك هؤلاء المقاتلون الكثير من الأسلحة بعيدًا عن رقابة الدولة. وفي الصيف الماضي، أصدر رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي قرارًا مماثلاً، وكانت النتائج محدودة.

ولكن هذه المرة، حدد رئيس الوزراء موعدًا نهائيًا، وفرض شروطًا قاسية: وهي أنه يتعين على الميليشيات أن تتخلى عن مقرها، وتغلق مكاتبها الاقتصادية المنفصلة والتي تمكنها من جمع الأموال. كما أن أي مجموعة لا تمتثل للقرار ستكون مجموعة “غير شرعية”، وهو ما يثير احتمال حل بعضها بالقوة.

ويحظى عبد المهدي أيضًا بدعم من بعض الشخصيات المهمة: إذ أعلن مقتدى الصدر، رئيس الكتلة البرلمانية الأكبر، عن حله لميليشيات كتائب السلام التابعة له، وكان الرد إيجابيًا من جانب قادة الميليشيات الأخرى. ولكن حتى تسير الأمور بسلام، فهناك حاجة إلى موافقة ضمنية على الأقل من إيران – وهو طلب صعب في تلك الفترة الدقيقة حيث نفوذ تلك الميليشيات أصبح واضحًا.

إن وجود ميليشيات مدعومة من إيران داخل العراق، حيث يوجد ألآلاف من القوات الأمريكية، يمنح طهران نفوذاً كبيراً. فإذا ما شنت قوات الحشد الشعبي هجمات على قواعد أمريكية بتوجيه من إيران، فإن ذلك سيمنح طهران درجة من الردع العسكري، ولكن بقدر معين من الإنكار المعقول، يحميها من الرد الأمريكي. كما أن هجومًا مماثلًا، إذا تم إطلاقه من الأراضي الإيرانية، فسيؤدي إلى انتقام فوري.

ومع ذلك، يبرز هذا السيناريو السبب في إمكانية تنامي قوة طهران في واقع الأمر من خلال دمج ميليشيات قوات الحشد الشعبي، وتقدم تفسيرًا لموافقة الجمهورية الإسلامية على هذا الدمج.

في صميم مرسوم رئيس الوزراء العراقي هناك بعض الغموض الاستراتيجي، حيث يجبر المرسوم الميليشيات على الخضوع لقيادة الرئيس بصفته القائد الأعلى للجيش. ولكن بشكل حاسم، لن يتم تفكيك كل ميليشيا على حدة، فسيبقى الهيكل الداخلي لها سليما. وفي حين أنهم سيقدمون تقاريرهم في النهاية إلى الرئيس، فإنهم سيقدمون أولاً تقريراً إلى قائد عسكري منفصل.

لذلك، قد يكون التأثير هو تعزيز قدرة إيران على شن هجمات داخل العراق دون دعوة للرد. وفي الوقت الحالي، تعمل ميليشيات الحشد الشعبي خارج هيكل جيش الدولة، ومن الممكن للولايات المتحدة دمجهم في الجيش مباشرة، ولكن بعد الدمج، فإن أي انتقام أمريكي، حال وقوعه، سيكون في الواقع ضد الجيش العراقي نفسه، وهو تصعيدًا أكثر خطورة. وإذا احتفظت إيران بنفوذها على هذه الميليشيات، فستكون قادرة على ممارسة هذا التأثير من داخل الجيش العراقي.

ومما لا شك فيه أن عبد المهدي لم يضع في حسبانه مسألة احتفاظ إيران بنفوذها على ميليشيات الحشد الشعبي. وبدلاً من اعتبار أن هذا المرسوم مجرد انتصار لإيران أو لبغداد، فمن الأرجح أنه خطوة ضمن عملية سياسية أطول لتقليص قوة الميليشيات دون مواجهة معهم أو مع طهران.

ومن خلال النظر إلى المرسوم من منظور القومية، ففي الوقت الذي يشعر فيه العراقيون بأنهم قد ينجروا إلى حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران، أجبر عبد المهدي الميليشيات الشيعية إلى قبول بالإشراف الحكومي – بعد ذلك، نظمت قوات الحشد الشعبي حملات عامة تروج لنفسها على أنها ليست قوة شيعية منفصلة وإنما كقوة لجميع العراقيين.

وفي الوقت نفسه، فإن إيران، بعد أن مولت ودربت بعض الميليشيات، لن تسمح لها ببساطة بالاندماج في الجيش الوطني العراقي. ولكن هذا هو المكان الذي يكون فيه الغموض الاستراتيجي مفيدًا.

فإذا كانت الميليشيات تحت إشراف رئيس الوزراء العراقي ولكنها على بعدة خطوة من الجيش النظامي، فقد يكون هناك بعض الاتصالات بين طهران والميليشيات دون إثارة غضب السياسيين الوطنيين العراقيين الذين يكرهون نفوذ طهران المتزايد. والشيء الذي يجعل إيران تقبل بهذا الأمر – وخاصة بالنظر إلى البدائل المتمثلة في معارضة المرسوم، وخسارة الميليشيات تمامًا، هو أن يتخذ الجيش العراقي قرارًا بحل تلك الميليشيات بالقوة.

سوف يسطر المرسوم جولة جديدة من الخلاف السياسي بين بغداد وطهران، حيث تسعى إيران إلى الحفاظ على نفوذها مع الميليشيات، وتسعى بغداد إلى إضعاف تلك العلاقات مع إبقاء المقاتلين. ولا شك أن بعض الميليشيات الأقل نفوذًا سيتم استيعابها بالكامل في الوقت المناسب. في الوقت الذي سترجأ فيه معركة بغداد مع الميليشيات الكبرى إلي وقت لاحق.

إن هذه الإستراتيجية محفوفة بالمخاطر السياسية، حيث يتعامل رئيس الوزراء مع الأولويات المتنافسة لمجموعات متعددة – وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والسياسيون المؤيدون لحركة المقاومة الإسلامية، والسياسيين المناهضين لإيران في العراق، وطهران – وجميعهم لديهم وسائل مهمة للانتقام. ويأمل رئيس الوزراء العراقي في أن يكون المرسوم مرضيًا بما فيه الكفاية للولايات المتحدة، ولا يصل في الوقت نفسه إلى حد إثارة الانتقام الإيراني.

وفي أحسن الأحوال، فإن عبد المهدي سيكون قد تخلى عن سيطرته على عشرات الميليشيات المدججة بالسلاح. وفي أسوأ الأحوال، سيكون رئيس الوزراء قد منح طهران نفوذاً قوياً داخل الجيش الوطني نفسه، وخلق ميليشيات إيرانية داخل البلاد بمسمى آخر. ولكن في مواجهة احتمال الانتقام الأمريكي ضد ميليشيات الحشد الشعبي، وحرب الوكالة المتصاعدة على الأراضي العراقية، ربما ارتأى ورئيس الوزراء العراقي أن ذلك الوضع هو الأقل خطورة. ورغم هذه كله، هناك بعض المعارك التي لا يمكن خوضها في يوم واحد.

يؤلف “فيصل اليافعي” حاليًا كاتبًا عن الشرق الأوسط، وهو معلق دائم لدى الشبكات الإخبارية التلفزيونية العالمية. عمل “فيصل” لدى وكالات أنباء مثل “الجارديان” و”بي بي سي”، وأعد تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.