هل يكمن حل مشكلات افريقيا الاقتصادية في التكنولوجيا المالية؟

جوزيف دانا

AFP Photo: Scott Olson

ليس هناك شك ان هناك العديد من الأقاويل التي تحيط بالتعاملات المالية غير النقدية باستخدام الهواتف الذكية. في الغرب وغيره من الدول المتقدمة، يثير هذا النوع من التعاملات الشعور بالراحة. أما في الأسواق الناشئة، يتعدى استخدام المحمول في الخدمات المالية مجرد عدم الحاجة الى التعامل النقدي إلى تحقيق الشمول المالي والقضاء على الفقر.

ولنأخذ أفريقيا كمثال في هذا الصدد. الكثير من الافارقة لا يتعاملون مع القطاع المالي الرسمي إذ ليس لديهم حسابات بنكية وسجلات ائتمانية تقليدية.

بحلول عام 2050، سيكون غالبية السكان تحت سن 24. ومن المتوقع أن يكون غالبية هؤلاء الشباب على اتصال بالإنترنت من خلال الهواتف الذكية. فإذا أمكن ضم هؤلاء الشباب لقطاع الخدمات المالية الرسمية، عندها يمكن تحقيق مجموعة كبيرة من الأهداف الاقتصادية والإنمائية. وتكمن كلمة السر لذلك في انتشار استخدام الهاتف الذكي في كل مكان.

ولنتأكد من هذه النظرية، لقد مررنا بهذا من قبل في “الحدث الأكبر التالي” فيما يتعلق بتمكين الفقراء في هذه المنطقة. فعلى وجه الخصوص تمت تجربة الائتمانات متناهية الصغر هناك ولكنها- لأصدقكم القول- لم تحقق نجاحا باهرا. فهذا النموذج، الذي يعتمد على منح القروض لأشخاص خارج النظام المالي الرسمي لا يملكون أصول قابلة للضمان يعني أن تكلفة الائتمان يجب أن تكون مرتفعة للغاية مقابل ذلك في الواقع.

ولا يدرك غالبية المقترضين أو يلاحظوا ذلك لأنهم لم يسبق لهم الاقتراض إلا من المقرضين غير المرخصين الذين يتقاضون فوائد باهظة. عندئذ لا تترجم معدلات سداد القروض الصغيرة البالغة 20 دولارًا أو 30 دولارًا في أغلب الأحوال إلى شروط تكشف عن متوسط معدلاتها المئوية المرتفعة بشكل مؤلم. وحتى إن كانوا يدركون ذلك، فغالبًا ما لا يفهم المقترضون التكلفة المرتفعة للقروض- فإذا لم تكن تعلم ما هو معدل الفائدة السنوية، كيف ستدرك أنها مرتفعة؟ وفي تغييراتها الأخيرة الحديثة، قد بذلت برامج الائتمانات متناهية الصغر جهودا للتعجيل بأعباء الديون بدلً من إنشاء منبر للمجتمعات الفقيرة للخروج من المعاملات الربوية.

غير أن القطاع المالي قد شهد عملية تجديد “مدمرة” على مدى العقود الثلاثة الماضية نظرًا لعدم توخي الحذر- نتذكر هنا التزامات الرهن العقاري على أساس الضمان التي تسببت في الأزمة المالية العالمية عام 2008. بيد أن بعضها كان مفيداً. فالأشخاص الذين كانوا على هامش نظام مالي ومصرفي- يبلغ عمره نصف الألفية- لن يصبحوا فجأة جزءًا أساسيًا من النظام – إلا إذا تجاوزوا الاحتمالات وفازوا باليانصيب. فمن وجهة نظر هؤلاء الذين تحولوا الى نظام العملات الإلكترونية المشفرة – فقد تكون هذه العملات وسيلة للالتفاف على النظام المالي التقليدي.

وعلى الرغم من أنها لا تزال متقلبة، فإن العملات المشفرة تعد بالتغلب على العقبات التقليدية التي يواجها الفقراء بسبب العملة الورقية. في زيمبابوي، على سبيل المثال، تحول الناس إلى استخدام العملة الإلكترونية المشفرة لشراء وبيع السلع لأن العملة الورقية المحلية لا قيمة لها خارج البلد.

في الواقع، العملة الإلكترونية المشفرة ليست سوى واحدة من الابتكارات المالية التي يتم دفعها في مجال فينتك أو التكنولوجيا المالية. فبجانب الهواتف الذكية، تقدم فينتك طرقا جديدة لقياس المخاطر وأشكال جديدة من العملات خالية من الآثار المدمرة للفساد وطريقة آمنة لتخزين القيمة من خلال تقنية البيانات المتسلسلة.

تعد اأريقيا سوقا واعدة لهذا الابتكار لأن الكثير من الناس ليس لديهم ما يخسرونه جراء نبذ البنية التحتية المالية التي تغفلهم على أية حال. كما انها تعتبر بدورها مصدرا جذابا للنمو بالنسبة للشركات المالية المتقدمة التي تعمل على تغيير الوضع الراهن. وربما معاً يظهرون لبقية العالم الطريق إلى الأمام في هذا العالم الجديد.

ومن المسلم به أن الروايات النبيلة حول التمكين من خلال القوة الاستهلاكية شائعة، ولكن الواقع في كثير من بلدان أفريقيا يروي قصة مختلفة. بلا شك تعتبر القارة جاذبة لأحدث مجموعة من المستثمرين المؤثرين الذين يرون المجتمعات الفقيرة كسوق عملاء غير مستغلة. فمن خلال الحصول على راس المال، يمكن أن ترتقي الشعوب الأكثر فقرًا بالنشاطات غير الرسمية إلى مشروعات تجارية مجدية. وإلى جانب رقمنه الخدمات المالية، سوف تتمخض الأسواق غير الرسمية عن المزيد من النشاط الاقتصادي.

ولكن هناك محاذير يتعين على القطاع الخاص الالتفات إليها.

تعتبرM-PESA، خدمة تحويل المدفوعات الائتمانات متناهية الصغر بشكل رقمي الأكثر انتشاراً في كينيا. فغالباً ما يتم اعتبارها نموذجا يحتذى به في مجال الشمول المالي نظرًا للنجاحات التي حققتها في ضم الأفارقة إلى قطاع الخدمات المالية الرقمية. بيد أنه من منظور التنمية، تمثل ام-بيزا سيفًا ذو حدين فيما يتعلق بالشمول المالي.

 حيث تستمد الشركة الأم للمنصة، Safaricim، معظم أرباحها (أكثر من 680 مليون دولار في عام 2018). 

من خدمات الدفع الخاصة بها. وبدلًا من استثمار تلك الأموال في البنية التحتية للاتصالات أو أية مشاريع أخرى في كينيا، تم تحويل أغلب تلك الأموال لمستثمريها بالخارج. هذه هي طبيعة شركات القطاع الخاص.

تعد أفريقيا قارة غنية بالثروات الطبيعة وريادة الأعمال. بيد أن الميزة الأولى تتركز في يد القليلين والميزة الأخرى.

محرومة من التمويل. Fintech يمكن لفينتك والشباب مالكو الهواتف الذكية أن يحطموا النظام القديم ويجلبوا أموال جديدة لملايين المشروعات متناهية الصغر في القارة ولكنهم بحاجة إلى عون سياسات حكومية رشيدة.

ومن أجل تحقيق التمكين الاقتصادي، يجب أن تأخذ المنتجات ذات الطابع الاستهلاكي مكانها بين مجموعة من المبادرات الأخرى التي تدعمها الحكومات. وبينما يعتبر الائتمان أمراً أساسياً، فإنه يتعين توجيهه إلى المشروعات المالية الصغيرة مما يترتب عليه في النهاية نمو القاعدة الضريبية. ففي هذا الصدد، على الرغم من أهمية الابتكار، إلا أنه يجب أن يكون مستدامًا وليس مجرد هندسة مالية لتحقيق الربح من قبل موفري الائتمان. ومن ثم، قد تكون السياسات الحكومية الأفضل والشراكة الأوثق بين القطاعين العام والخاص، التي توجهها الأهداف العامة للتنمية المستدامة للأمم المتحدة، هي الصيغة المطلوبة للتمكين الأفريقي الحقيقي.

جوزيف دانا، المقيم ما بين أفريقيا الجنوبية والشرق الأوسط، يعمل رئيساً لتحرير اميرج86 وهو مختبر يستكشف التغير الناشئ في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.