هل انهزم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”؟ تتوقف الإجابة على كون التنظيم مجموعة إرهابية أم فكرة إرهابية

فيصل اليافعي

في منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وعندما نشرت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها بكثافة في العراق وأفغانستان، كانت الضغوط تتزايد على الإدارة الأمريكية محليًا ودوليًا لتحدد الوقت الذي ترحل فيه القوات الأمريكية عن تلك الدولتين، غير أن التردد كان سمة إدارة بوشوتبتعه في ذلك ادارة أوباما، لأنهم يعلمون أن الجدول الزمني قد حُدد، وما على أعدائهم سوى الانتظار حتى انقضاء الوقت ورحيل آخر جندي إلى أمريكا.

ويسري الأمر ذاته مع آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في شرق سوريا، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وصرح بأن القوات الأمريكية والبالغ قوامها “2,000” جندي سيغادرون البلاد. ويبدو أن الجميع، الصديق والعدو، قد أصابه الذهول من النهاية المفاجئة لتلك الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية مازال يشكل تهديدًا، فإنه ببساطة سيختفي لعدة أسابيع حتى رحيل القوات الأمريكية ومن ثم يعود للظهور مرة أخرى، وإن كان هُزم، فلن يشكل أي تهديد. والسؤال هنا، أي حال يشهده تنظيم الدولة الإسلامية؟

وتكمن المشكلة في الحاجة إلى تعريف ماهية هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وبالأخص تعريف ما المقصود بـ”تنظيم الدولة الإسلامية” و”مهزوم”. فمن جانب، تقترب المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من نهايتها، حيث شهد هذا الشهر سقوط مدينة “هجين” وهي آخر مدينة سورية يسيطر عليها “داعش”. ومن جانب آخر، أصبح تنظيم الدولة الإسلامية يتعاظم فكريًا وليس ماديًا، ويمكن لتلك الفكرة أن تعود بطرق مختلفة. ومن الممكن أن يبقى تنظيم الدولة الإسلامية قائمًا في حالتين وهما تعرضه لهزيمة سريعة وعدم هزيمته.

تستطيع المجموعات المسلحة دومًا النهوض مرة أخرى، وفجأة تصبح المجموعات الصغيرة مجموعات أكثر أهمية، وهو ما حدث لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والذي تجاوز تنظيم القاعدة فجأة في الهيمنة والقوة. وقبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر في العام 2011 كان تنظيم القاعدة ذو شأن لكنه لم يكن على قمة أوليات الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الرئيس الأمريكي “بيل كلينتون”، والذي شغل منصب الرئاسة حتى العام الذي يسبق هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قد تعرض لانتقادات لاذعة بسبب تفويت الفرصة لقتل أسامة بن لادن. والحقيقة أن الولايات المتحدة، كباقي حكومات العالم، لها أولوياتها.

وفي مشهد مختلف، لكنه أكثر واقعية، سياتي الوقت الذي سيقبل فيه القادة السياسيون والعسكريون بأي حملة عسكرية تأتي باي بنتائج مهما كانت ضئيلة، وهو ما يجعل الاستمرار في توفير الموارد لقتال تنظيم الدولة الإسلامية أمرًا لا مبرر له على الصعيد السياسي.

ومن الواضح أن “ترامب” لخص إلى تلك النتيجة بعد المكالمة الهاتفية مع الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”. وخلال تلك المكالمة، كان السؤال الذي وجهه الرئيس التركي إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – لماذا مازلت هناك؟” – قد أثار انتباه الرئيس الأمريكي.

ويتفق المحللون والحكومات الأخرى على أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يُهزم بشكل كامل. وتشير إحدى التقديرات الأمريكية إلى أن عدد المقاتلين داخل سوريا يقارب “15,000”. ورغم أن تنظيم الدولة الإسلامية قد خسر أكثر من “95%” من المناطق التي سيطر عليها وقتما كان التنظيم في أوج قدراته، فانه مازال قادته البارزين ومنهم “أبو بكر البغدادي” على قيد الحياة وفي أمان، فضلاً عن الانتشار الواسع للتنظيم عبر الشبكة العنكبوتية.

وهناك معركة أخرى للقول بأن تنظيم الدولة الإسلامية قد هُزم. ولو افترضنا أنه تم القضاء على جميع عناصر التنظيم، فانه بإمكان داعش الظهور مرة أخرى. وتفتقر قوات سوريا الديمقراطية وغالبيتها من الأكراد إلى القدرة على حماية أجزاء كبيرة في سوريا، والنظام السوري لا يفكر في ذلك. إن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية بحق يحتاج إلى إعادة بناء الأقاليم التي كان يسيطر عليها وحراستها، وهو تعهد فضفاض لا يرغب ترامب بالتأكيد في تقديمه.

ولهذا، إذا جاء السؤال محددًا في مقصده كالهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية بحيث تكون عودة التنظيم مرة أخرى أمرًا صعبًا، حينئذ تكون هزيمة التنظيم قريبة، ومن المحتمل تحقيقها خلال أشهر معدودة. ويبقى السؤال الثاني، “ما هو تنظيم الدولة الإسلامية”؟

يستمد تنظيم الدولة الإسلامية قوته العظمى من أفكاره المنتشرة بين أعضائه. والحقيقة أن التنظيم نجح في تأسيس دولة ناشئة في أنحاء سوريا والعراق. وتبقى قوة التنظيم الحقيقة – وخطره الأكبر – في قدرته على تحفيز الاف الشباب، رجالاً ونساء، من عشرات الدول، لترك حياتهم المستقرة والانضمام إلى تلك الدولة الوليدة. والأكثر من ذلك هو نجاح التنظيم في إقناع هؤلاء الشباب بأن ما يفعلونه هو من أجل مستقبلهم وحتى يكونوا في طليعة تلك الحركة التي ستكون المرشد في الحقبة العالمية الجديدة.

وتبدو تلك الأفكار ساذجة في ظاهرها، ولكنها تبقى لدى الآلاف من الأشخاص أفكار فعالة بشكل مدهش. ولذلك من الأهمية بمكان معرفة الطريقة التي يروج بها التنظيم لأفكاره، لأنه من الممكن بسهولة لأي تنظيم آخر، والذي لم يظهر بعد، أن ينشر تلك الأفكار.

إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” مجرد مجموعة واحدة، فمن الممكن هزيمته. لكنه فكرة، ومن الصعوبة بمكان هزيمة تلك الفكرة، والتصدي لها لن يكون على الصحراء في شرق سوريا، ولكن في قلوب وعقول الرجال والنساء حول العالم ممن قد ينجذبون يومًا ما لنداء تنظيم جديد للدولة الإسلامية.

AFP PHOTO/AHMAD AL-RUBAYE