الدبلوماسية الإسرائيلية الجديدة ترتكز على تراجع دعم الأصدقاء لفلسطين

جوزيف دانا

” العزلة” كلمة تتناقلها افواه الدبلوماسيين الاسرائيل عند مناقشة المأزق الجيوسياسي في البلاد. فمنذ نشأتها وإسرائيل تتحسر على ما أسمته عزلة لا مبرر لها في العالمين العربي والإسلامي الامر الذي خفت حدته بالتأكيد في اعقاب توقيع معاهدات السلام مع كلا من الأردن ومصر بيد ان الإسرائيليين لا زالوا يعتقدون انهم يسبحون وحدهم في بحر من العداء. وعلى الأقل، فان هذا هو النهج الرسمي للدولة ولكن في الحقيقة استطاعت إسرائيل بناء تحالفات غير رسمية في المنطقة وحول العالم من خلال مبيعات السلاح والتكنولوجيا وليس ادل على ذلك من استعادة العلاقات الدبلوماسية مع تشاد هذا الشهر.

وفي إطار حملة دعاية دولية لتشجيع الاستثمار وتسليط الضوء على نفوذه الدبلوماسي، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشغولاً بين تملق الرئيس البرازيلي المنتخب حديثا جائير بولسونارو وزيارة سلطنة عمان، وقد انصبت مهام نتانياهو على توسيع حلقة الحلفاء الرسميين لإسرائيل.

وتمتد هذه الاستراتيجية الى عمق افريقيا حيث اتسم تاريخ إسرائيل بالتباين. وقد تم قطع العلاقات الرسمية بين إسرائيل وتشاد منذ 47 عام نتيجة ضغوط القائد الليبي معمر القذافي على تشاد غير ان العلاقات غير الرسمية ازدهرت على مدى عقود. ولعبت مبيعات السلاح، في انتهاك صريح للقانون الدولي، دورها في خلق تحالفات سرية لإسرائيل عبر افريقيا وكانت تشاد في القلب منها.

وفي اعقاب زيارة الرئيس التشادي إدريس ديبي المفاجأة لإسرائيل في نوفمبر أصبح رفع مستوى العلاقات مسالة وقت حيث مثلت القدرة على شراء السلاح والتكنولوجيا التجارية من إسرائيل حافزا لتشاد لإذابة جبل الجليد الذي خيم على العلاقات فضلا عن الفائدة الإضافية التي سوف تعود على قادة تشاد من النفوذ الإسرائيلي المتزايد في واشنطن.

وتسلط العلاقات الرسمية الجديدة الإسرائيلية التشادية الضوء على تهميش الفلسطينيين في العالم الإسلامي اليوم. فمنذ عقد من الزمان كان انشاء علاقات رسمية مع إسرائيل في دولة ذات اغلبية مسلمة دربا من الخيال. وفي الوقت الذي استأنفت فيه العلاقات غير الرسمية دون انتقاد، الا انه كانت العلاقات الدبلوماسية العامة، على الأقل، امرا محظورا.

ومع اختلاف الامر الواقع، يبدو ان القادة المسلمين قد ملوا الطريق المسدود الذي وصلت اليه الازمة الإسرائيلية الفلسطينية ولم تعد لديهم الرغبة في إخفاء علاقاتهم مع إسرائيل التي تعود عليهم بمكاسب مادية واستراتيجية. فعلى سبيل المثال، سعت إسرائيل، في المواجهات الحالية مع إيران، الى تعميق أواصر علاقاتها مع القوى الكبرى في العالم العربي. وأصبح الفلسطينيون الخاسر الأكبر جراء إعادة ترتيب أوراق اللعبةوليس هناك أي دليل على أن هذه التطورات سوف تنحسر.

وتمثل هذه المكاسب الدبلوماسية الورقة الرابحة في مستقبل نتانياهو السياسي. ومع اقتراب الانتخابات المزمع اجرائها في ابريل يستخدم نتانياهو السياسة الخارجية في الحصول على الأصوات. وابتداء من تسليط الضوء على علاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقرار الإدارة الامريكية بنقل السفارة الأمريكية من القدس الى تل أبيب وحتى فتح شراكات جديدة حول العالم، فان نتنياهو يمارس السياسة بذات الفكرة المسماة بالعزلة الجيوسياسية.

وفي حديثه الى المراسلين الصحفيين عقب استئناف العلاقات مع تشاد صرح الزعيم الإسرائيلي ” نحن نبني جسورا الى العالم الإسلامي. نحن نصنع التاريخ وسوف نحول إسرائيل الى قوة عظمى ناشئة”

ووفقا للأنباء التشادية، ذكر مسئولون بمكتب نتانياهو ان رئيس الوزراء سوف يسافر الى مالي في لقاء “تاريخي” مع رئيس الوزراء صوميلو بوبياي ماجا. وقد كانت العلاقات المالية الإسرائيلية قد قطعت في اعقاب حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل بيد ان القنوات الخلفية استمرت بين البلدين.

وما يلفت النظر حول قواعد السياسة الخارجية لنتنياهو هو أنها ليست حديثة عهد في إسرائيل او من ابتكاره الشخصي. ففي الخمسينيات خطت الدولة الإسرائيلية الوليدة خطوات طموحة في إفريقيا لتكوين حلفاء جدد حيث ركزت جهودها على الدول الافريقية المستقلة حديثا (التي انضمت حديثا للأمم المتحدة) خالقة شبكة من التحالفات من خلال تصدير السلاح والبنية التحتية الزراعية.

واستمرت هذه السياسة حتى منتصف الستينيات عندما قررت إسرائيل احتضان الفصل العنصري في جنوب افريقياوالشروع في شراكة بعيدة المدى، وسرية في كثير من الأحيان، مع البلد المنبوذ.ونتيجة لذلك، توترت سياسة إسرائيل في أفريقيا. ولكن مع انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا منذ فترة طويلة، عمل نتنياهو على إعادة تنشيط مبادرة بلاده في أفريقيا.

ويدل ذلك على ان عروض إسرائيل الدبلوماسية للدول الافريقية كمالي او تشاد فضلا عن علاقاتها مع الفلسطينيين لم تتغير. ما حدث في الوقت الراهن هو انزواء الفلسطينيين وتهميشهم من قبل انصارهم. وبالطبع فان الغالبية العظمى من شعوب العالم الإسلامي يدعمون القضية الفلسطينية الا ان قادتهم لديهم حسابات اخرىوهناك مقتضيات دبلوماسية أخرى، فإيران هي مصدر القلق الوحيد الذي يمكن أن تتفق عليه إسرائيل والعديد من الدول العربية- مما يفرض إعادة ترتيب أهدافهم.

AFP PHOTO/BRAHIM ADJI