التعاون بين إسرائيل وآسيا: هل يؤثر على العلاقات بين الولايات المتحدة وتل أبيب؟

الين ليبسون

AFP Photo: Ariel Schalit

الحقيقة المعتادة القائلة بأن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية هي علاقات قوية ودائمة ولا تتأثر بالولاءات الأمريكية المختلفة هي حقيقة تتسم بالدقة بوجه عام، لكن الأمر يتطلب الوضع في الاعتبار بعض التحولات الهامة التي شهدتها أولويات السياسة الخارجية الإسرائيلية، والتي سيكون لها تأثير على العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، وعلى مدار الزمن ربما نجح قادة إسرائيل في صنع علاقات مع الدول الآسيوية الرئيسية التي تتمتع على الأفل بذات الأهمية، والتي تعُد في الغالب بديلًا مقبولًا للتوجه الإسرائيلي نحو الغرب.

ومنذ عامين، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته إلى سنغافورة عن “التعاون مع آسيا”، وكان ذلك بمثابة صدى يبعث على السخرية من التعاون الإسرائيلي الأمريكي خلال عهد أوباما والذي تخلله الكثير من الانتقادات وسوء الفهم، (وقد تعرّض هذا التوجه للنقد باعتباره دليلًا على أن الشرق الأوسط سيصبح منبوذًا، وكذا لأن مظهر هذا التوجه أنه يقوم بالتركيز بشكل أكبر على التعاون العسكري مع الدول التي تتسم بالحذر تجاه الصين، عوضًا عن الارتباط الثلاثي مع الدول الشرقية الصاعدة)، وبالنسبة لإسرائيل كان هذا الإعلان بمثابة صياغة تتسم بالبلاغة لواقع شهد تطورًا على مدار سنوات طويلة.

ومنذ الأيام الأولى التي أصبحت فيها دولة مستقلة؛ عمدت إسرائيل إلى التودد إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي من الممكن أن تعترف بإسرائيل على المستوى السياسي، وكانت كل من الفلبين وبورما (ميانمار الآن) هما الدولتان الآسيويتان الوحيدتان اللتان قامتا بتقديم الدعم في عامي 1947 و1948، حيث صوتت كل منهما على التوالي لصالح قرار التقسيم ولصالح الاعتراف بدولة إسرائيل كعضو في الأمم المتحدة، وكان قائد بورما “يو نو” هو أول قائد أجنبي يقوم بزيارة لإسرائيل، وفي الخمسينات من القرن الماضي قدمت إسرائيل الدعم لسنغافورة من أجل تطوير القطاع الأمني، وظلت العلاقات قوية بين الدولتين على مر السنين، وغالبًا ما كانت تلك العلاقات في الخفاء، وذلك بسبب الحساسيات بين سنغافورة وجارتها الدولة الكبيرة ذات الأغلبية المسلمة ماليزيا.

أما الهند والصين، وهما الدولتين الآسيويتين اللتان تتمتعان بالقوة اليوم، فقد قامتا بإنشاء علاقات متحفظة مع إسرائيل في الخمسينات من القرن الماضي، لكن الأمر تطلّب 40 عامًا من أجل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وحجم التجارة بين إسرائيل وكل من الهند والصين كان متواضعًا في السنوات الأولى، حيث وصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، لكن اليوم باتت الصين تحتل المركز الثاني كأكبر شريك تجاري لإسرائيل، حيث بلغ حجم التبادل التجاري في الاتجاهين خلال العام (2017) 17 مليار دولار، كما وصل حجم التبادل التجاري بين الهند وإسرائيل إلى خمسة مليارات دولار، (وبالمقارنة فإن حجم التبادل التجاري الأمريكي الإسرائيلي وصل إلى 35 مليار دولار خلال عامي 2017 و2018).

وإسرائيل باتت اليوم عضوًا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية AIIB، كما بدأت الصين في التفكير في الموقع الاستراتيجي لإسرائيل كشريك في مبادرة الحزام والطريق التي تعُد مشروعًا ضخمًا، وبالنظر للمقاييس الأخرى الخاصة بالقوة الناعمة؛ فإن العلاقات الإسرائيلية مع كل من الصين والهند باتت تتطور نحو الأفضل، وهناك معهدين للفيلسوف الصيني كونفوشيوس في إسرائيل، ويقعان في أكبر جامعتين رئيسيتين بكل من تل أبيب والقدس، وهناك منظمة إسرائيلية غير حكومية تسمى (المركز الآسيوي الإسرائيلي)؛ تعهدت ببناء علاقات بين القادة الصاعدين في كل من الصين وتايوان وكوريا الجنوبية والهند وبين إسرائيل، والرحلات السياحية الآتية من قارة آسيا لإسرائيل تتضاعف عامًا بعد عام، كما أن وزارة السياحة الإسرائيلية تخطط لتوسيع الطاقة الاستيعابية للفنادق، كي تتسع للنمو المتوقع للرحلات السياحية للمواطنين الصينيين الذين بدأوا في التحرك خارج البلاد.

والعلاقات الاقتصادية في عالم يتسم بالأسواق الدولية ربما لا تعُد المقياس الأهم للقوة والنفوذ، ويمكن للمرء أن يتعلل بأن كل تلك الأمثلة ببساطة تُظهِر قوة المنافع الاقتصادية المشتركة، والإسرائيليون يبحثون عن المنفعة، كما أن موقعهم بين قارتي أوربا وآسيا يوفر فرصة متميزة للحفاظ على نجاحهم الاقتصادي عبر التوسع والدخول إلى أسواق جديدة.

لكن مع وجود القوى الآسيوية الصاعدة؛ فقد بات من الأهمية بمكان الأخذ في الاعتبار مسألة أن مستوى التفاعل الاقتصادي من الممكن أن يؤدي إلى اعتماد بعض القطاعات على بعضها البعض، وهذا الأمر سيكون له أبعادًا سياسية وأمنية أكثر من المتوقع، وحتى اليوم؛ سوف يصر كل المحللين تقريبًا على أنه لا بديل للشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، وقد باتت إسرائيل قادرة على تطوير القطاع الدفاعي فيما يخص التكنولوجيا المتقدمة، وكذا تطوير اقتصادها القومي، كما استطاعت أن تتفادى التسويات المؤلمة مع الفلسطينيين بسبب الحماية والدعم اللذان توفرهما الولايات المتحدة.

وفي الماضي؛ حين تم وضع إسرائيل موضع الاختيار بين الوفاء بالتطلعات الأمريكية أو العمل مع الشركاء الاقتصاديين الآسيويين الجدد؛ أعطت إسرائيل الأولوية للعلاقات بينها وبين واشنطن، وفي نهاية التسعينات من القرن الماضي؛ ومجددًا في العام 2005 قامت إسرائيل بإلغاء العمليات المربحة مع الصين، وذلك حين اعترضت واشنطن على عملية نقل تكنولوجيا أنظمة الرادار المحمولة جوًا والطائرات دون طيار.

وحتى خلال الفترة الحالية؛ وحيث باتت تجارة المستلزمات الدفاعية تشكل جزءًا كبيرًا من الصادرات الإسرائيلية لكل من الهند والصين؛ فإن تلك التعاملات لا تزال تتأثر بالاعتبارات السياسية، وإسرائيل تشعر بالقلق من نمو التبادل التجاري في مجال الدفاع بين الصين وإيران، كما أن الصين تشعر بالغضب بسبب الاستثمارات الإسرائيلية الهامة في القطاع الدفاعي الهندي، والتي تقدّر ب600 مليون دولار حسب تقديرات الأعوام الأخيرة، لذا لا يمكن للمرء أن يعقد مقارنة بين العلاقات القوية الموثوقة بين إسرائيل والقوى الآسيوية وبين عقود من التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب.

والأمر لا زال يستحق أن نتوقع تحولات مستقبلية. كما ان التجارة التي تقدر بمليارات الدولارات باتت تمثل تحديًا للقيم السياسية بالنسبة للساسة ورجال الصناعة، وهؤلاء باتت لهم مصلحة راسخة في الإبقاء على استقرار العلاقات. وإذا ما اتجهت العلاقات الأمريكية الصينية إلى مزيد من الخصومة، فربما تصبح إسرائيل في وضع التفضيل بين مجموعة من الخيارات الصعبة. والمشكلات ستكون أكثر وضوحًا إذا ما قامت الإدارة التي ستخلف ترامب بالتراجع عن دعم السياسة الإسرائيلية المتشددة، مما سيؤدي بالتبعية إلى ظهور خلافات تشوب تلك العلاقة الجوهرية بين واشنطن وتل أبيب، كما أن ظهور العداء للسامية على مستوى العديد من الدول الغربية سوف يؤدي إلى القضاء على ثقة الإسرائيليين في الغرب. وليس من الواضح ما إذا كان التعاون الإسرائيلي الآسيوي سيلحق الضرر بالسياسة الخارجية التقليدية لتل أبيب ام لا، الا ان احتمالية حدوث الضرر تعد بمثابة فرضية قائمة.