تحتاج الأردن إلى إصلاحات اقتصادية هيكلية. فهل يمكن لرئيس الوزراء الجديد أن يتصدى لها؟

كيرك ه. سوويل

في 5 يونيو، عُيِّن العاهل الأردني عبد الله الثاني عمر الرزاز لتولي رئاسة حكومة جديدة، بعد يوم من استقالة رئيس الوزراء هاني الملقي. وصدر هذا القرار بعد مُضي أسبوع على الاحتجاجات التي اندلعت ضد إجراءات التقشف التي فرضتها حكومة الملقي، والتي جاء معظمها في شكل تخفيضات على الدعم وبإصدار قانون الضرائب. فمن الواضح أن أحد مسؤوليات الرزاز، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، هو معالجة القضايا الاقتصادية في الأردن. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، ما الذي يتعين عليه أن يفعله، وماذا باستطاعته؟

وتكمن المشكلة الأساسية بالنسبة للمسئولين الأردنيين في أن المشاكل الاقتصادية للبلاد هي ببساطة خارجة عن إرادتهم. وقد عبر وزير الخارجية أيمن الصفدي عن ذلك في مقابلة تلفزيونية، حيث قال إن المجتمع الدولي بحاجة إلى “تحمل مسئوليته” ومنح المزيد من المساعدات إلى البلاد ” فالوضع الاقتصادي المتردي ” في الأردن ليس بسبب الفشل الداخلي وانما نتيجة عوامل خارجية كالحظر التجاري مع العراق وسوريا نظرًا للنزاعات القائمة بها ومشكلة اللاجئين السوريين وارتفاع أسعار النفط. قد ينطوي الأمر على شيء من الحقيقة. لكن العوامل التي دفعت الأردن إلى شفا الإفلاس ترجع إلى تبني نموذج اقتصادي أجوف على مدى عقود.

فبالنظر إلى ما هو أبعد من الأزمة المباشرة، تكمن مشكلات الأردن في ثلاثة إخفاقات رئيسية تتمثل في: الإدارة المالية طويلة الأجل؛ والسياسة العمالية وعجزها الهائل في التوظيف؛ وفشل سياستها التعليمية في تلبية احتياجات البلاد الحقيقية.

بادئ ذي بدء، يتمثل المأزق المالي الحالي في الأردن في ارتفاع نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي مؤخرًا لأكثر من 96 في المئة، وهو جزء من النمط السائد لعقود طويلة حيث كان الاعتماد بشكل كبير على المساعدات الخارجية ولم يتم أبداً تطوير اقتصاد محلي قوي أو نظام ضريبي قادر على جلب الإيرادات لدعم النفقات. فبحلول عام 2010، أي قبل عام من الربيع العربي، بلغ العجز المالي في الأردن 1.56 مليار دينار (ملياري دولار)، أو حوالي 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. ومما ساعد على تفاقم الأمور هو توقف تصدير الغاز المصري الذي كان يُصدر بسعر أقل من سعر السوق وحدوث تصاعد في النفقات. ومع تولي الملقي رئاسة الوزراء في منتصف عام 2016 ارتفعت نسبة الدين إلى اجمالي الناتج المحلي من أقل من 60 في المائة في 2010 إلى أكثر من 90 في المائة.

من ثم كان التقشف المالي الذي انتهجه الملقي لسنتين إصلاحًا هيكليًا ضروريًا. وتمثل معظم التقدم الذي أحرزه في شكل زيادة الإيرادات غير الضريبية وخفض الدعم. فالأردن كانت دائما من البلاد التي لا تثقل كاهل مواطنيها بضرائب مرهقة على الأقل من حيث الضرائب المباشرة. فقانون ضرائب الملقي الذي أشعل الاحتجاجات التي أطاحت به كان ليخفض حد الإعفاء الضريبي للأسر من 24000 دينار إلى 16000 دينار وهو الرقم الذي لا يزال يعادل ثلاثة أضعاف دخل الفرد (حيث يبلغ حد الإعفاء للفرد 8000 دينار). ويظل غالبية الأردنيين غير خاضعين للضرائب.

المشكلة الثانية المتراكمة تتعلق بسوق العمل حيث اعتمد الأردن على مدى عقود على العمالة المصرية لسد العجز في الوظائف ذات الأجور المتدنية؛ وفي الآونة الأخيرة كان المواطنون الأجانب يشكلون ثلاثة أرباع العمالة في قطاع الصناعات التحويلية الخاصة كما تم استقدام العمالة من دول جنوب آسيا أي أنه على الرغم من ارتفاع معدل البطالة في الأردن يشكل الأجانب ما بين ربع وخمسي القوى العاملة، وفقا للتقديرات الخاصة بعدد الذين يعملون بشكل غير قانوني.

استحقت حكومة الملقي المنتهية ولايتها التقدير لاتخاذها تدابير من شأنها الحد من الاعتماد على الأجانب، لكنها واجهت مقاومة شديدة من قِبَل أصحاب الأعمال الذين يفضلون العمالة الرخيصة؛ فضلا عن ظاهرة   “ثقافة العار” حيث يحجم المواطنون، لا سيما أولئك الذين ينحدرون من الضفة الشرقية، عن الاشتغال بالأعمال اليدوية.

ويُعد الفائض في خريجي التعليم العالي هو ثالث المشكلات المتراكمة. وحيث أنه لم يوجد تعليم حكومي في الأردن قبل الأربعينيات، فإن مجرد وجود جامعات يعد إنجازًا. والمشكلة هي أنه على مدى الجيل الماضي، اكتظت هذه الجامعات بالطلاب الأمر الذي ترتب عليه حصول أقل من نصف عدد خريجي الجامعات على وظائف تتطلب أي شكل من أشكال التعليم العالي.

ومن ثم، هناك أربعة مجالات رئيسية للإصلاحات جاهزة للتعديلات الهيكلية التي يتعين على الرزاز استخدام منصبه في إجراء تغييرات جوهرية بها: أولها أن تُضاعف الحكومة من الإصلاحات التي أجراها الملقي فيما يتعلق بالعمالة والتوسع فيها لتشمل التصنيع؛   ثانيًا: إعادة هيكلة التعليم ليشمل التعليم الفني وتقليل أعداد خريجي الجامعات؛ يلي ذلك أنه نظراً إلى افتقار الأردن إلى الأعداء العسكريين التقليديين، فإن ميزانية الدفاع بشكل خاص مهيأة للتخفيض بشكل كبير وبالقدر الذي تسمح به سيكولوجية الدولة؛  أخيرًا: إعادة طرح قانون الضرائب،  وبعد سلسلة من جلسات الحوار وبعض التغييرات المتواضعة، فربما يحتاج الأمر  إلى تعديلات كتلك التي أقرها الملقي.

لكن حتى هذه الإجراءات، بقدر صعوبتها، لن تكون كافية فقد تؤدي الى تباطؤ نمو نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي وتمهد الطريق لاقتصاد أفضل على المدى الطويل ولكنها لن تَحول دون خرق نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي حاجز ال 100٪ أو الخروج بالأردن من حالة الإعسار دون الاعتماد على المساعدات الخارجية التي كانت تحصل عليها قبل عام 2011

فهناك حاجه ماسة لاتباع ما يطلق عليه “خطة الإنقاذ”. وإذا كان لهذه المساعدات الإضافية ما يبررها، فسوف يحتاج الأردن إلى تحسين أدائه من خلال الإصلاحات الهيكلية مقارنة بما كان عليه في الماضي.

AFP PHOTO/Ahmad GHARABLI