الأكراد وعامل الحسم في نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية في تركيا

عمر تاسبينار

بعد شن حرب دامية ضد الأكراد داخل البلاد وفي سوريا، كانت كبرى المفارقات وهي ارتباط مصير “رجب طيب أردوغان” في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة والتي ستنعقد في “24” يونيو بالحركة السياسية الكردية في تركيا. يشكل الأكراد حوالى “15-20%” من تعداد الشعب التركي، و”10-13%” من إجمالي الناخبين. وبناء على ما إذا كانت الانتخابات نزيهة وعادلة أم لا، يحدد الأكراد وحدهم ما إذا كان حزب العدالة والتنمية الحاكم قادرًا على الاحتفاظ بالأغلبية في البرلمان. والأكثر أهمية من ذلك أن باستطاعة حزب الشعب الديمقراطي المؤيد للأكراد تحديد الفائز في الانتخابات الرئاسية المحدد لها في اليوم نفسه.

إنها مسؤولية كبيرة تقع على عاتق تلك الحركة السياسية التي تتعرض لقمع وحشي ويقبع قادتها في السجون، فضلاً عن تعرض عدد كبير من الشخصيات البرلمانية ذات النفوذ التابعة لحزب الشعب الديمقراطي إما للسجن أو الفصل من البرلمان بسبب اتهامات واهية. ويقبع أيضًا في السجون حوالى 100 رئيس بلدية من الأكراد، ويشغل مناصبهم أوصياء عينتهم أنقرة التي تشغل نفسها باستئصال جميع مظاهر الهوية الكردية.

أظهرت معظم الانتخابات أن “أردوغان” غير قادر على تحقيق نسبة الـ”51%” اللازمة لبلوغ منصب الرئيس من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، وهذا يدل على أن تحديد منصب الرئيس سيكون في الجولة الثانية بين المرشحين الأعلى أصوات. ويبقى شيئًا وحيدًا مؤكدًا وهو بغض النظر عن ماهية الشخص الذي بلغ الجولة الثانية ضد أردوغان، فلن يرجح كفته إلا دعم حاشد من الأكراد. ولهذا نجد أن المنافسَيْن الأكثر احتمالاً لمواجهة أردوغان قد توددا بالفعل للناخبين الأكراد. وتعقد تركيا الآن آمالها على الأكراد المقموعين لإزاحة “أردوغان” عن منصبه علمًا بأن أردوغان يدير البلاد منذ ستة عشر “16” عامًا.

أثبتت الحركة الكردية التركية أنها قوة لا يستهان بها في الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015، وذلك عندما حصل حزب الشعب الديمقراطي ممثلاً في زعيمه الملهم “صلاح الدين ديمرطاش” على “13.1%” من أصوات الناخبين في البلاد، وشكل هذا الأمر لحظة فارقة إذ خسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية، وتخطى الحزب الكردي لأول مرة حاجز الـ”10%” من المقاعد البرلمانية. وكانت الصدمة لمؤسسة حزب العدالة والتنمية هي حصول حزب الشعب الديمقراطي على “80” مقعدًا وأصبح الحزب الثالث من حيث التمثيل البرلماني متفوقًا على حزب الحركة القومية المتطرف والمعادي للأكراد.

ولا غرابة في أن يثير فوز الأكراد مخاوف زعيم حزب الحركة القومية “دولت بهجلي” والذي صرح عشية الانتخابات بأنه لن يدعم أي محاولة تقوم بها الأحزاب المعارضة نحو تشكيل الحكومة. ومن ثم فإن كراهية حزب الحركة القومية للأكراد حالت دون تشكيل أي تحالف معارض لحزب العدالة والتنمية. أسست تحركات “بهجلي” أيضًا إلى إنشاء تحالف قومي بين حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية. ويهدف هذا التحالف القومي إلى إعادة حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وتحقيق أغلبية برلمانية قوية في الانتخابات الجديدة التي ستجرى بعد أشهر قليلة. والأهم من ذلك هو أن التحالف الفعلي بين حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية قد أفسح الطريق للنظام الرئاسي الذي يسعى أردوغان بشدة إلى تأسيسه منذ أن تولى منصب الرئيس في العام 2014. في العام الماضي، فاز أردوغان بالكاد في الاستفتاء الذي غير النظام السياسي التركي من النظام البرلماني إلى الرئاسي “الجزئي” بدون ضوابط أو توازنات، حيث حصد أردوغان في هذا الاستفتاء “51%” من الأصوات. ووفقًا للمراقبين الدوليين، كان التصويت في المناطق الجنوبية الشرقية التي يقطنها الأكراد مجهزة لصالح أردوغان.

إن دعم “بهجلي” لأردوغان على مدار الثلاث سنوات الماضية كان مشروطًا بمطلب واحد فقط، وهو سحق الحركة الكردية المتمادية في تركيا، واستقبل أردوغان هذا المطلب بحفاوة بالغة، لأنه امتلك الفأس التي سيطحن بها حزب الشعب الديمقراطي لعدم مساندته في برنامجه الرئاسي، بالرغم من العروض التي قدمها للأكراد بخصوص منحهم حريات ثقافية أكثر من أي حكومة سابقة. افترض أردوغان أن عملية السلام مع الأكراد والتي تمخض عنها مذكرة تفاهم بينهما خلال الفترة “2013” إلى “2015”، ستفضي إلى الدعم السياسي الهام الذي يحتاجه أردوغان لتغيير النظام السياسي التركي. غير أن زعيم حزب الشعب الديمقراطي “دميرطاش”، رفض بحنكة دعم أردوغان على أساس أن الأكراد لا يجب عليهم مساندة أجندة أوتوقراطية مقابل عملية سلام غير موثوق بها في ظل الإصلاحات الديمقراطية المزيفة.

لم يغفر أردوغان لدميرطاش هذه “الخيانة”، وكانت خسارة أردوغان في الانتخابات البرلمانية في يونيو 2015، وانفتاح حزب الحركة القومية على حزب العدالة والتنمية والدعم الأمريكي المتنامي للأكراد في سوريا سببان كافيان لأردوغان لوقف عملية السلام والكشف عن الحرب الضروس التي يشنها ضد الجماعة الكردية المسلحة المتمثلة في حزب العمال الكردستاني. وكان نجاح أردوغان في انتخابات نوفمبر 2015 سببًا في إنهاء حالة الجمود التي سادت البرلمان. ورغم أن حزب العدالة والتنمية قد استعاد الأغلبية القوية في البرلمان، غير أن حزب الشعب الديمقراطي لا زال يكافح فقط لتخطي حاجز الـ”10%” من الأصوات، وحقق ذلك بنسبة “10.76%”.

ما الذي سيحدث في الشهر المقبل؟ كشفت الاستفتاءات عن الثمن الباهظ الذي يدفعه أردوغان بسبب انهيار الليرة وسوء إدارته للاقتصاد، حيث ارتفع معدل التضخم وانخفضت ثقة المستهلك، فضلاً عن الشخصية الجذابة التي يتمتع بها مرشح المعارضة الرئيسية التابع لحزب وسط اليسار “حزب الشعب الجمهوري”. تمتلك المعارضة بتحالفها مع حزب الجيد اليميني – الذي شكله الأعضاء السابقون في حزب الحركة القومية ممن تمردوا على “بهجلي” – فرصة حقيقية للفوز في الانتخابات البرلمانية وإزاحة “السلطان” من منصبه. غير أن ما تحتاجه المعارضة ليس مجرد التوحد ضد التحالف القومي الذي يقوده أردوغان مع حزب الحركة القومية: فهناك الدعم الكردي والذي من خلاله يمكن تحقيق أي آمال حقيقية في توديع رجل تركيا القوي أو القضاء على هذا الأمل. وفي مجمل القول، يحتاج مرشحا المعارضة إلى دعم “دميرطاش” وحزب الشعب الديمقراطي.

وفي رسالة له من السجن، صرح “دميرطاش” مؤخرًا بقوله “بدون أدنى شك، سيكون حزب الشعب الديمقراطي هو المفتاح. [في الجولة الثانية] من المؤكد بنسبة “100%” أن الفائز سيكون المرشح الذي يلقى دعم حزب الشعب الديمقراطي. وعلى كل مرشح وضع حساباته وفقًا لهذا الأمر. ولم يفعل المشرح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري “محرم إينجه” سوى ذلك. حيث بدأ “إينجه” حملته الانتخابية بزيارة “دميرطاش” في السجن، ثم سافر بعدها إلى محافظة “هكاري” ذلك المعقل الحصين للقومية الكردية وتقع في أقصى شرق تركيا. وفي حالة عدم الحصول على أصوات الأكراد في المنطقة الشرقية الجنوبية، فهناك فرصة حقيقية لمرشح حزب الشعب الجمهوري في أن يكون الرئيس القادم لتركيا. إن السياسة التركية أشبه بالرياضة الجسدية الانتقامية، ومما لا شك فيه أن معظم الأكراد يرون في هزيمة أردوغان عدالة من السماء.

AFP Photo/Yasin AKGUL