استخدام مشكلة الهجرة في أفريقيا للتحفيز على قيام ثورة صناعية

جوزيف دانا

إذا ما أخذت في التفكير في هجرة العمال فسرعان ما ستستحضرني صورة القوارب المكتظة بالأرواح الهائمة البائسة وهي تعبر البحر المتوسط في طريقها إلى أوروبا. وتشكلت تلك الصورة النمطية بسبب أزمة اللاجئين العالمية والتي ظلت تسيطر على العناوين الرئيسية في الصحف لسنوات عدة. ويستغل الساسة الشعبويون تلك الأزمة ويعتبرونها بمثابة صيحة تعبئة لتحصين الحدود وبناء الجدران واحتجاز الغير خارجها، ورغم وجود شكوى عامة متزايدة بأن المهاجرين يتركون بلادهم بحثًا عن الوظائف في أمريكا وأوروبا، فإن الحصة الأكبر من الهجرة قد تجاوزت نطاق الحدود الغربية بكثير، ووفقًا لتقرير أعده مركز بيو للأبحاث في العام 2018، تشكل الهجرة لدى منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الهجرة الأسرع نموًا في العالم.

وهي إحصائيات مشجعة بطريقة غريبة إذا ما نظرنا إليها من المنظور الصحيح لأن الهجرة لدوافع اقتصادية ليس بالضرورة أن تكون عدو للتقدم، وهي بالفعل كذلك. إن حرية انتقال العمالة أمرًا مميزًا للأسواق الناشئة ولاسيما الأسواق الأفريقية. ولما كانت القارة الأفريقية تحاول إنشاء المناطق الصناعية الخاصة بها، وهو ما سيجعلها في نهاية المطاف خارج دائرة الفقر والاعتماد على المساعدات الأجنبية، فهناك حاجة إلى العمالة. إن الظهور الأخير للصين والهند كمراكز قوى عالمية على صعيد إجمالي الناتج المحلي كان مدفوعًا بقطاعات التصنيع الكبيرة والتي حفزت مواطنيها على العمل. وتحتاج أفريقيا إلى محاكاة هذا النموذج – والحل الرئيسي هو حرية انتقال العمالة وذلك بسبب المهارات التكميلية التي توفرها مختلف دول العالم.

ويتفهم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة هذه الآلية جيدًا، ويدعمون بقوة تسهيل السفر على سكان القارة الأفريقية لتحفيز نموها. وفي العام 2016، أشارت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة إلى أن “حرية انتقال الأشخاص ظلت تحتل جدول أعمال مؤتمر الاندماج الإقليمي للدول الأعضاء، والسبب في ذلك تلك المكاسب التجارية المرتبطة بحرية انتقال العمالة. وتشكل حرية انتقال سكان القارة الأفريقية دعامة قوية للنمو الاقتصادي وتطوير للمهارات لقدرتهم على السفر للتجارة أو السياحة أو الدراسة”.

وفي هذا الشأن، تمتلك الدول الأفريقية فرصة مميزة للاستفادة من الهجرة المنتشرة فعليًا في أنحاء القارة. وأشار تقرير “بيو” إلى الملاحظات سالفة الذكر موضحًا بأن “عدد المهاجرين من كل دول أفريقيا جنوب الصحراء [جنوب السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى، بورندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان] ارتفع بمقدار “50%” أو أكثر ما بين الفترة من 2010 حتى 2017، أي ما يزيد بكثير عن متوسط معدل الهجرة العالمي في تلك الفترة وهو “17%”. وما يدعو أكثر للدهشة والغرابة هو أنه مع حلول العام 2050 ستشهد أفريقيا أكثر من نصف النموالسكاني في العالم.

ورغم ذلك، هناك معوقات كبيرة يجب التغلب عليها حتى يمكن الاستفادة جيدًا من نماذج الهجرة، ومنها الصعوبات والتعقيدات والحيرة التي تضعها الدول الأفريقية أمام السفر بطرق مشروعة إلى نظيرتها، وينطبق هذا حتى مع الزيارات القصيرة، فما بالنا بالهجرة. ومن بين الدول الأفريقية البالغ عددها “55” دولة، هناك عشر “10” دول فقط لا تطلب تأشيرة للقادمين إليها من الدول الأفريقية الأخرى أو تمنحهم التأشيرة عند الوصول إليها. وبالمقارنة، تمنح عشرون “20” دولة أفريقية تأشيرة إلى المواطن الأمريكي عند وصوله إليها.

وتضاعفت هذه المشكلة بسبب الشعبوية والخطاب الذي يحث على كراهية الأجانب داخل الأسواق الكبرى الأفريقية. ولأنها واحدة من أكثر اقتصاديات القارة قوة وتطورًا من حيث الصناعة، تمثل دولة جنوب أفريقيا مركزًا للعمالة المهاجرة، ورغم ذلك يتعين على مهاجري أكثر من نصف دول القارة امتلاك تأشيرة عند سفرهم إلى تلك الدولة. ولهذا فإن عزوف دولة جنوب أفريقيا عن الترحيب بمواطني الدول الأفريقية الأخرى حتى وإن كان الغرض هو زيارة قصيرة للبلاد لخير دليل على التوجه العدائي للدولة تجاه هؤلاء المواطنون. وعلى مدار العقد الماضي، تعرضت مجتمعات المهاجرين في البلاد لهزات عنيفة بسبب العنف ضد الأجانب وتسبب هذا في حالة من الخوف والرعب لملايين العمالة غير الشرعية في أبرز الوظائف داخل الاقتصاد. ويستغل الساسة في البلاد هذا الكره للأجانب كذريعة سهلة لتبرير التحديات الاقتصادية التي يواجهها اقتصاد البلاد.

ورغم ذلك، هناك نهج آخر يمكن اتباعه فضلاً عن الزخم الذي يكتسبه يومًا بعد يوم، وهو النهج الذي تسلكه دولة إثيوبيا، فخلال مسعاها لتكون قوة إقليمية، تفتح الدولة حدودها للتجارة البينية الأفريقية والسفر والهجرة. وفي أكتوبر من هذا العام، ألغت إثيوبيا شروط استخراج التأشيرة لمواطني الدول الأفريقية، وبهذا يستطيع مواطنو الدول الأفريقية الأخرى السفر إلى إثيوبيا بدون تأشيرة مسبقة. ولا شك ان اتخاذ تلك الخطوة من شأنه أن ينمي قطاعي السياحة والتجارة في البلاد، في الوقت الذي تمنح فيه البلاد مزايا على خطوطها الجوية حتى تكون الخطوط الجوية الأكبر في أفريقيا. وعقب القرار الإثيوبي، خففت الدول الأخرى في شرق القارة الأفريقية وغربها من القيود المفروضة على التأشيرة، وها هي السنغال تمنح ولأول مرة تأشيرة دخول مجانية لمواطني “42” دولة أفريقية وذلك بداية لمن هو في سن السادسة عشر “16” عامًا فقط في عام 2015. وتدرس رواندا هي الأخرى خطط إلغاء القيود المتعلقة بالتأشيرات المنتهية.

وقد يساعد التطور التكنولوجي على تحويل القارة الأفريقية إلى قارة بلا حدود. ويستطيع المواطنون من دول مختلفة الحياة في دولة أخرى دون مشاكل تذكر بسبب النظام البيومتري لتحديد الهوية وأنظمة الخدمات المصرفية المتنقلة وخدمات الحكومة الإلكترونية. وفي الدول الغربية، انتشرت الأنظمة البيومترية (ويمكن فقط النظر إلى دول أوربية مثل “استونيا”) لكنها لم تجد لها مكانًا في القارة الأفريقية بعد. ومع تزايد شعوب القارة الأفريقية وزيادة الهجرة، سيكون من مصلحة القارة الأفريقية أن تذيب الحدود بينها لبناء اقتصادها.

وبالنسبة للشركات الناشئة حول العالم، فإنه من المربح والفعال أن توفر تلك الشركات الوسائل التكنولوجية التي تمكن سكان القارة الأفريقية من الانتقال بحرية عبر حدودها، ولن تصبح القارة الأفريقية مركزًا قويًا للتصنيع فقط بالنمو السكاني أو إنشاء قاعدة جذابة للمستخدم بل من خلال إيجاد حلول لمشاكل الانتقال عبر حدودها. ويترتب على مثل هذا التحول، تعويض مئات السنين من الاستعمار، وتحقيق الاستقرار الحقيقي لدول القارة.

وقد تكون البداية الجيدة وبيان حسن النوايا الوسيلة التي تمكن شعوب دول القارة من زيارة بعضها بعضًا بسهولة. فلتضع أفريقيا أرجلها على الطريق وبعدها سننظر ما يمكن إنجازه.

AFP PHOTO/RAJESH JANTILAL