المتاهات السياسية الإيرانية في اختيار القادة العراقيين

نبراس الكاظمي

فور الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة في العراق، حيث تم اختيار رئيس للجمهورية ورئيس مكلّف لمجلس الوزراء، غرّد السيناتور الأمريكي ماركو روبيو قائلا، بشيء من الحدة، بأن التوليفة هذه، والتي عادة ما تتشكل جراء توافقات ما بين الكتل الفائزة في الانتخابات النيابية التي جرت في شهر أيار الماضي، جاءت نتيجة “وساطة شخصية” بادر بها الجنرال الإيراني قاسم سليماني. مما لا شك فيه هو ان السيناتور الجمهوري من ولاية فلوريدا والذي يحسب ضمن صفوف الصقور فيما يخص الملف الايراني كان قد اطلع على معلومات استخبارية كشفت عن دور محوري لسليماني، مما جعل روبيو بإدلاء هذا التصريح من دون لبس او مواربة. من جانب آخر، فإن الإدارة الامريكية، متمثلة بوزير خارجيتها مايك بومبيو وطاقمه، حاولت إضفاء لمسة إيجابية عما حدث، وعدّت النتيجة بالـ “جيدة” إذا ما قورنت بالبدائل الاخرى الممكنة، ومن الجائز احتساب اختيار برهم صالح وعادل عبد المهدي لهذين المنصبين كنقطة قد جاءت في صالح أمريكا.

هاتان النظرتان تفتقران لاحتمالية أخرى وهي انهما قد اخطئا في تفسير غايات سليماني. لربما لم تكن نيته ابدا إدارة العراق من خلال الواجهات او الوسطاء. لربما لعبته هي استنزاف الحياة السياسية في العراق، والتي كانت دوما تمثل عائقا امام تحقيق طموحه في بغداد، وايصالها من بعد حين الى نقطة الانهيار. اذن، قد تكون غايته هي التخلص من السياسة عموما، او على الأقل تقويضها والتقليل من شأنها. وإن اخذنا بالنظر الى مستويات الغضب الشعبي المنصبّة بالضد من الطبقة الحاكمة، سنجد بأن هناك عدة سبل قد يتخذها سليماني في الوصول الى مبتغاه.

يُحسب النفوذ الإيراني في العراق اليوم في ذروته، في حين ان نفوذ أمريكا في أدنى مستوياته. لدى ايران عشرات الآلاف من رجال المليشيات الموالين اليها بصورة مباشرة، وهي متحالفة مع كتل سياسية كانت قد حصدت أصوات كثيرة. وفي هذه الاثناء نجد بأن الولايات المتحدة اضطرت الى اخلاء قنصليتها في البصرة خوفا من وابل القذائف. قد يُحاججنا المشككين بقدرة ايران على المناورة الواسعة في العراق بالقول ان القنصلية الإيرانية في البصرة كانت تعرضت هي الأخرى الى التخريب والحرق. ولكن الفرق هنا هو ان كان الإيرانيين قد أرادوا فعلا الدفاع عن منشآتهم الدبلوماسية لاستطاعوا ردع حشد من حوالي الف شاب غاضب من خلال ادواتهم “الحشدية”.

ومع ذلك، لم تكن ايران مرغمة بأن تتنازل لرئيس كانت تحسبه مقربا بشكل حميم من الدوائر المخابراتية الامريكية اثناء سنوات المعارضة قبيل الـ 2003، او رئيس مجلس وزراء كان قد اعترض عليه المرشد الأعلى علي خامنئي عدة مرات فيما سبق في السنوات الخمس عشر الماضية كلما ورد اسمه مرشحا لأعلى منصب تنفيذي في البلاد. هناك عدة تفسيرات لهذا الاعتراض ولكن الأقرب الى المعقول هو ان القيادة الإيرانية كانت تنظر الى عبد المهدي على انه من شاكلة ومريدي قادة الحركة الخضراء في ايران عام 2009 مهدي كروبي ومير حسين موسوي، وهو يشاركهما عقليتهما وآراءهما.

سواء إن كان التأثير الإيراني في العراق مبالغا به ام لا، فمن المؤكد بأن لدى ايران القدرة على ابداء امتعاضها وعرقلة مسيرة مرشحين لم تستسيغهم ابدا. فهل حرى بنا ان نعتقد بأن تحفظات ايران حول هذا الثنائي قد تبددت بصورة سحرية؟ حتى ولو قام صالح وعبد المهدي بتقديم شتى الضمانات وعلامات الطاعة والولاء للقيادة الإيرانية فمن غير المتوقع بأن تتراجع هي عن نظرتها المسبقة تجاههما. كما ان الإيرانيين مدركين بأن الانطباع الذي سيتولد عند الرأي العام هو ذاته الذي يعرضه بومبيو، اي أن الاختيار هو مكسب امريكي، فهل الجانب الإيراني مستعد لإضفاء هذا النجاح لأندادهم بتلك الأريحية في هذا الزمن المتوتر ما بين الجانبين؟

هناك عائقان رئيسيان لثنائي صالح-عبد المهدي قد يستغلهما سليماني في تقويض الحياة السياسية. بغداد اختارت الكردي الذي تفضله لا الكردي المفضّل من قبل الاكراد. صالح كان ينافس مرشحا مدعوما من قبل مسعود البارزاني، الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق. البارزاني لا يحظى بشعبية تذكر لدى سكان العراق من غير الاكراد وذلك لأسباب عديدة، أهمها تاريخه وتاريخ اسرته في قيادة الحركة الانفصالية. ومع ذلك، فإن البارزانيين حصلوا على اكبر نسبة من الأصوات في الانتخابات المحلية التي جرت في شهر أيلول الماضي، حيث تجاوز رصيد أصواتهم ما كسبه منافسيهما الرئيسيين مجتمعين.

أراد البارزاني اختبار الطبقة السياسية في بغداد لمعرفة إن كانت حقا تسعى الى طوي احداث الاستفتاء على الاستقلال في العام الماضي والتي انتهت بقيام بغداد بإرسال الدبابات الى كركوك واذلال البارزاني بصفته الداعي الأبرز إليه. ومن وجهة نظر البارزاني فإن بغداد فشلت في الاختبار عندما رفضت مرشحه. علاوة على ذلك، فإن صالح ضعيف سياسيا حتى داخل حزبه الذي تركه خلال العام الماضي وقاد حملة دعائية مناهضة لقيادته ومن ثم عاد الى صفوفه خائبا من بعد فشل حزبه الجديد عند صناديق الاقتراع، وبعدما تم اغراءه بمنصب رئيس الجمهورية كمرشح اوحد لحزبه القديم، فاصبح مضربا لمثال الانتهازية السياسية المجردة من القيّم. وفي أي مواجهة قادمة وحتمية ما بين بغداد والاكراد سيكون موقفه هشاً وهزيلا عند محاولته التهدئة والتوافق ما بين الجانبان، وهو السبب الأساسي الذي جُعل من منصب الرئيس محصورا لدى الكرد في التفاهمات والتوازنات السياسية العراقية فيما سبق.

ومن جهة أخرى، قد يصبح عبد المهدي عبئا على المرجعية الدينية في النجف، وخصوصا تلك العائدة لآية الله العظمى علي السيستاني. فمن الأمور المريبة التي حصلت في الشهر الذي سبق الإعلان عن تكليفه، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ومجاميع الواتسآب الخاصة حملة من الاشاعات تشير الى ان عبد المهدي هو مرشح محمد رضا السيستاني، نجل المرجع الاكبر والطامح الى وضع بصمته على الحياة السياسية. يبدو بأن سليماني يسعى الى اضعاف قدرة النجف على توجيه الأمور في العراق وفي أماكن أخرى، وقد يرى هو وقيادته بأن النجف بمثابة منافس وعائق امام توجهات طهران. اذن، إن تم افشال أدارة عبد المهدي فإن الرأي العام العراقي سيتم تأجيجه لاحتساب هذا الفشل على السيستاني أيضا مما سيقوض منزلة النجف السياسية والمعنوية. وقد يكون هذا الهدف بالضبط ما يصبو اليه سليماني قبيل تهيئة الظروف كي يوجه ضربته القاضية للكيان السياسي العراقي الدارج منذ 2003 والذي وفّر حيزا من المناورة لدى أمريكا وقوى دولية وإقليمية أخرى غير ايران في اظهار نفوذها في بغداد.

HO/KHAMENEI.IR / AFP