وزير خارجية لبنان يواجه رد فعل عنيف على تصريحاته عن السوريين ولكنه قد تكون له وجهة نظر صائبة

فيصل اليافعي

AFP Photo: Tobias Schwarz

بدأت مشكلة وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، قبل أسبوعين، عندما صرح على موقع التدوينات القصيرة تويتر أن العمال اللبنانيين يجب أن تكون لهم الأولوية عن أي أجانب، “سواء كانوا سوريين أو فلسطينيين [أو] سعوديين”. ولاقت تصريحاته بشأن السعوديين تركيزا من الاعلام السعودي الذي تسائل ان كان سوف يسعد باسيل تطبيق السعودية مشاعر مماثلة تجاه مئات الآلاف من اللبنانيين العاملين في المملكة.

بيد ان ماذكره باسيل بخصوص السوريين على تويتر لم يكن الا بمثابة دعم منه للفيديو الدعائي الذي ظهر للحزب الذي يقوده باسيل، التيار الوطني الحر، والذي يدعو الشركات اللبنانية الى التوقف عن توظيف السوريين- هو الذي يبعث على القلق اذ لاحظ النشطاء مهاجمةاللاجئين السوريين في جميع أنحاء البلاد، كنوع من العداء لهم.

وفي هذا الشأن يبدو ان باسيل لديه توجه سياسي اذ انه غرد قبل أسابيع ان ” اللاجئين والمشردين لن يحلوا محل اللبنانيين”. ورفض إطلاق لفظ اللاجئين على السوريين طالبي اللجوء الى لبنانوفضل ان يطلق عليهم لفظ المهاجرين، لأنه غير متأكد انهم يطلبون اللجوء الى لبنان كما ادلى بتصريح قبل أسبوعين ان ” اغلب السوريين- ما يناهز ال 75% منهم- لم يعودوا يخشون الملاحقات الأمنية والسياسية ولكنهم يقيمون في لبنان لأسباب اقتصادية”.

ولاقت تصريحاته تلك معارضة عنيفة داخل وخارج الدولة وتتداول حاليا عريضة لبنانية مناهضة لباسيل موقعة من أكثر من 20.000 موقع.

ويبدو باسيل طموحا وعاقدا العزم على أن يخلف والد زوجته، ميشال عون، كرئيس، وهو المنصب المخصص للطائفة المارونية المسيحية. ولتصريحات باسيل ضد السوريين بعدا طائفيا حيث ان غالبية السوريين مسلمين سنة وانتقادهم يلقى ترحيبا من معاقل المسيحيين.

ويبدو انه قد قرر ان أفضل طرق الحصول على الدعم السياسي هو انتهاج سياسة شعبوية مناهضة للهجرة. ومع ذلك، فهذا لا يعني انه ليس محقا.

شانه شان السياسيين ذوي الشعبية المناهضين للهجرة في أماكن أخرى، يركز باسيل من اجل تحقيق مكاسب سياسية على شيء يعاني منه الشعب اللبناني في حياته اليومية. لذلك من المنطقي رؤية السياسيين مثل باسيل ضرورة التحذير من خطر محدق قبل ان يستفحل.

وتستضيف لبنان على الأقل مليون لاجئ سوري وتعتبر ثاني أكبر ملجا للشعب السوري في العالم بعد تركياولكنها الأكبر من حيث ان السوريين يشكلون على الأقل 20 %من السكان في لبنان.

وارتفاع نسبة البطالة في لبنان موضع خلاف شديد- حيث يقدرها الجهاز المركزي للإحصاء ب 10% بينما أعلن السياسيون انها اضعاف هذا الرقم- وتأثير اللاجئين السوريين عليه لا جدال فيه حيث يقدر البنك الدولي 200,000 لبناني قد أصبحوا فقراء نتيجة الازمة السورية. ويعود افتقار اللبنانيين للتأثيرغير المباشرللحرب الاهلية السورية على النشاط التجاري وليس لحصول اللاجئين السوريين على وظائفهم.

ولكن هذا التأثير كان غير متكافئ على ذوي الدخول المتواضعة.

وهناك شيء من الحقيقة في تصريحات باسيل التي تغفلها الخطب الرنانة- وتعكس تصريحاته نغمة استعلاء- غير انها فيها شيء من الحقيقة.

 

 

ولا يستطيع السياسيون اللبنانيون وعامة الشعب غض الطرف عن تلك المخاطر لا سيما عندما تثير مخاوف مماثلة مجتمعات ديمقراطية أخرى. والحقيقة الواضحة هي أن الكثير من اللبنانيين ذوي الدخول المتواضعة اضطروا إلى التعامل مع عواقب الحرب الأهلية الكارثية المجاورة.

 

 

 

 

رغم انتدفق السوريين، بشكل عام، قد أفاد الاقتصاد، لأن السوريين جلبوا الاستثمار، وأنشأوا شركات ويساهمون في الاقتصاد اللبناني من خلال شراء السلع ودفع الإيجارات فان الفائدة التي تعود على الاقتصاد ليست كافية إذا كانت هناك مجتمعات قد تأثرت بشكل غير متكافئ. والعبرة التي نستخلصها من الدول الأوروبية التي تلقت تدفقات هجرة مفاجئة هي أن الناس يهتمون أكثر بالهجرة الى بلادهم، بغض النظر عن الفوائد الأوسع للهجرة واللبنانيون ليسوا بمعزل عن هذه الآراء.

ودونما شك يستخدم السياسيون اللاجئين ككبش فداء لمصلحتهم وهو امر ليس بجديد. فمن الواضح ان لبنان لا تستطيع مسايرة اعداد النازحين.ويجب أن يكون إثارة هذه النقطة أمرًا غير مثير للجدل – وفي الحقيقة، يجب إثبات ذلك، حتى تعترف القوى الخارجية بأن الكارثة تتفاقم وأن المساعدة مطلوبة.

فتمني تلاشي المشكلة من تلقاء نفسها لا يجدي نفعا فتخيل تأقلم الاف اللبنانيين مع المعاناة المتزايدة هو تجاهلا لحقائق السياسة وطرق التعبير عن عدم الرضا في الديموقراطيات وهو تجاهلا للحقائق التي توصلت اليها البلدان الأخرى- وبريطانيا والولايات المتحدة أبرز الأمثلة- ويعد تجاهل المظالم لسنوات تمخض عن عدد غير متوقع من الأصوات المعترضة.والرسالة الحقيقية القادمة من الدول الأخرى هي ان عدم التعامل مع المشكلات السياسية الصعبة ضمن الأطر السياسية القائمة يؤدي الى تصدير هذه المشكلات خارج الحدود

وإذا كان من الواضح أن لبنان لا يمكن أن يتحمل اعبائه الحالية – ويجب أن يكون واضحا بالنظر إلى سلوك نظام بشار الأسد أنه لا يمكن إعادة السوريين قسرا إلى وطنهم – فان هناك حاجة إلى تسوية جديدة لأوضاع اللاجئين السوريين.

إذا كانت اراء باسيل كريهة فإن حقيقة الحرب السورية الطويلة كانت كريهة بالنسبة للكثير من اللبنانيين. إن السعي إلى الصراخ أو إسكات أولئك الذين يشيرون إلى ذلك لن يغير التركيبة السكانية لمدن لبنان المزدحمة.

فيصل اليافعي بصدد كتابة كتابًا عن الشرق الأوسط حاليا وهو معلق دائم على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية. وقد عمل في وكالات الانباء مثل الجارديان وبي بي سي، وكتب تقارير صحفية عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا.