الانتخابات اللبنانية “غير المجدية” ليست حرة ولا نزيهة

حسين عبد الحسين

لقد حان وقت الانتخابات في لبنان، وسوف يتوجه الملايين من الناخبين إلى صناديق الاقتراع في 15 مايو لاختيار من يمثلهم في مجلس النواب، وهؤلاء المنتخبون سيختارون بدورهم رئيسًا جديدًا قبل حلول شهر أكتوبر، ومن المقرر أن يقوم مراقبو التصويت الدوليين بمراقبة الانتخابات، ومن المرجح أن يعلنوا أن التصويت قد تم بسلاسة.

ولكن ما لن يراه المراقبون هي تلك الضغوط التي مارسها حزب الله في الأسابيع والأشهر التي سبقت التصويت.

يدير عباس الجوهري منصة تؤكد على أهمية السيادة، كما تدعو لحل ميليشيات حزب الله الموالية لإيران، وعباس هو رجل دين شيعي من منطقة بعلبك، ويتماشى عرضه حول “بناء الدولة” أيضًا مع دعوات من الفاتيكان والبطريرك المسيحي الماروني بشارة الراعي، بأنه على لبنان اتباع سياسة الحياد الإقليمي.

ولم تقوم لبنان بإجراء أي إحصاء سكاني منذ عام 1932، ولكن قبل كل انتخابات، تقوم وزارة الداخلية بنشر قوائم بأسماء الناخبين الذين يملكون حق التصويت، وتُظهر انتماءاتهم الدينية، ويشكل السنة، الذين يمثلون نسبة 30٪ من الناخبين، الكتلة الأكبر، ثم يليهم الشيعة والذين هم أقل منهم بقليل، ثم المسيحيين بنسبة 28٪، وتمثل الأقليات حوالي 12٪ من نسبة الأصوات، كما يمثل الدروز الأقلية الأكبر بحوالي 10٪.

ولقد حقق حزب الله الفوز في بعلبك في كافة الانتخابات منذ عام 1992، ولكن في عام 2018، خسرت الميليشيات الشيعية الموالية لإيران ثمانية بالمائة من الأصوات في تلك المنطقة (واثنان من عشرة مقاعد)، ومع تدهور الاقتصاد في البلاد منذ عام 2019، وتزايد الغضب الشعبي، تمثل أي منافسة شيعية تهديدًا للوضع الراهن، وهذا هو السبب في أن الميليشيات، تضايق مرشحين مثل الجوهرى، خوفًا من المزيد من الخسائر في البرلمان.

فعلى سبيل المثال، قام الجوهري بحملة في بلدة خضر بالقرب من بعلبك في الشهر الماضي، وعندها واجه بعض الترهيب من عناصر حزب الله، حيث قال الشيخ على المنبر: “سننتخب بمحض إرادتنا، ولن يُملي أحد علينا خياراتنا…” واندلعت حينها نيران مدفع رشاش مما أجبره على الاحتماء بحرس الأمن الخاص به.

وبعد أيام من هذا الحادث، أنهى ثلاثة مرشحين من تحالف الجوهري حملاتهم الانتخابية. وقال رفعت المصري، أحد هؤلاء المرشحين، “نحن أبناء عائلة المقاومة، كما نفخر بتدريبنا على توجيه السلاح نحو أعدائنا الصهاينة والتكفيريين”، وقد أكد التكهنات المتعلقة بانسحابه بضغط من حزب الله بقوله: “يتحتم علينا الوقوف إلى جانب المقاومة طالما استمر العدو الإسرائيلي في عدوانه على لبنان” وبالاستناد على الفرضية أن الحرب مع إسرائيل بمثابة الأولوية الأولى للبنان، خلص المصري إلى قوله: “هذه الانتخابات عديمة الجدوى”.

وجاءت تصريحات المصري بعد وقت قصير من التطورات السياسية التي أظهرت أن مشكلات لبنان تزداد عمقًا وتعقيدًا.

كما أفاد البنك الدولي تأجيله تمويل استيراد الغاز المصري، وهي خطة تساندها الولايات المتحدة والتي من شأنها ضخ الغاز عبر الأردن وسوريا لمساعدة لبنان في حاجته الماسة إلى توليد الكهرباء. وبذلك يظهر الاتفاق على مستوى المسؤولين مع صندوق النقد الدولي، والذي يقرر مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار إذا طبق لبنان إصلاحات متفق عليها فعليًا، وهو اتفاق محكوم عليه بالفشل وذلك نظرًا لعدم قدرة بيروت على مواجهة الفساد المستشري للطبقة الحاكمة.

وبالنظر إلى هذه التطورات يتضح صحة كلام المصري، فإذا تمكن حزب الله، على الرغم من المعاناة التي يعيشها لبنان، من توجيه النقاش نحو موضوع الصراع مع إسرائيل، في حينها ستغدو الانتخابات في واقع الأمر فرصة ضائعة.

أما في الأحياء غير الشيعية، فهناك تنافس أكثر إنصافًا بين القلة الموالية لحزب الله وغير الشيعة والمرشحين غير الحزبيين، ففي بلدة بيت أنيا ذات الغالبية من طائفة الموارنة، تبنى البطريرك الراعي لقاء دعا إلى مبدأ الحيادية في لبنان، وقدم مجموعة من أعضاء الكونجرس الأمريكي خطابات مسجلة دعوا فيها إلى السلام بين لبنان وإسرائيل وإعادة دمج بلادهم في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

وبشكل غير معهود، لم يتدخل حزب الله ووسائل الإعلام التابعة له في الاجتماع. حيث تتضح محاولة الميليشيا تجنيب حلفائها من الموارنة، مثل صهر الرئيس ميشال عون وخليفته الطامح جبران باسيل، الإحراج من الاضطرار إلى الوقوف إلى جانب حزب الله وضد القيادة الدينية المارونية.

ويعتقد حزب الله أنه بإمكانه إبقاء الشيعة تحت سطوته من خلال اتباع سياسة الترهيب التي بدأها العام الماضي باغتيال الناشط السياسي الشيعي لقمان سليم، وفي أثناء ذلك تعرضت الطبقة الحاكمة غير الشيعية للترهيب لغرض الخضوع من خلال أعمال عنف سابقة مثل مقتل رئيس الوزراء السني رفيق الحريري في عام 2005، أو الترغيب من خلال مقاعد حكومية (مثل أن يصبح عون رئيسًا) أو إسكات الأصوات بالمال والرشاوي.

عندما يتوجه اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع في تاريخ 15 مايو، ستقدم المنظمات العالمية تقريراً عن الانتخابات والتي من المرجح أن يراها الغرب على أنها حرة ونزيهة. لكن حينها سيكون قد مارس حزب الله ما يكفي من الضغوط قبل يوم الانتخابات للحفاظ على سير الأمور وفق الطريقة التي تحلو له، مما ينتج عنه انتخابات غير حرة ولا تتسم بالنزاهة وعديمة الجدوى.

 

حسين عبد الحسين، زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن العاصمة