العقبة المحلية والجيوسياسية أمام الجهود الإسرائيلية لتزويد الغرب بالغاز

جوزيف دانا

AFP photo/Menahem Kahana

رغم مكانتها الهامشية على صعيد سياسة الطاقة المعقدة في الشرق الأوسط، أصبحت إسرائيل الآن لاعبًا فعالاً بما تمتلكه من مقومات ذاتية. ومنذ أكثر من عقد مضى، تم اكتشاف حقول شاسعة من الغاز الطبيعي قبالة الساحل الشمالي لإسرائيل في البحر الأبيض المتوسط. ومنذ ذلك الحين، سارعت إسرائيل إلى تحديد الوسيلة المحددة التي سيصل بها الغاز إلى أوروبا، في الأساس، وأيضًا إلى إلى الأسواق الأخرى في إفريقيا. وبخلاف سياسات الطاقة التقليدية التي تنتهجها الدول المجاورة لها، فهناك في إسرائيل الكثير والكثير من القضايا السياسية التي يجب على إسرائيل مواجهتها.

وفي الشهر الماضي، سلط تكتل الطاقة الفرنسية، توتال، الضوء على المشكلات التي تواجهها إسرائيل بعدما قال الرئيس التنفيذي لشركة “توتال”، باتريك بويانييه، لصحيفة “فاينانشال تايمز” أن الوضع في إسرائيل “معقد للغاية” من حيث الاستثمار فيها. كما أوضح “بويانييه” أن شركة “توتال” لم ترغب في المخاطرة بعلاقاتها مع الدول الأخرى في المنطقة من خلال عقد صفقات جديدة مع إسرائيل. ولا غرابة في هذا، لأن شركة “توتال” ماتزال على الأرجح راغبة في الدخول في شراكة مع إيران في صفقة لاستكشاف الغاز، وهي صفقة معلقة في الوقت الراهن بسبب تجدد العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران. وبالإضافة إلى ذلك، لايزال ثمة تعاون وثيق بين شركة “توتال” ولبنان لاستكشاف الغاز بحرًا في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ومن المؤكد تقريباً أن ثمة ضغوط إضافية على شركة “توتال”، ولا يرغب الرئيس التنفيذي للشركة في الإفصاح عنها. وعلى مدى العقد الماضي، نجح نشطاء داعمين لمقاطعة إسرائيل في الضغط على الشركات الأوروبية لإنهاء علاقاتها التجارية في إسرائيل. ونتيجة لذلك، انسحبت الشركة الفرنسية، “سيسترا”، على سبيل المثال، من مشروع قطار القدس السريع، وأنهت شركة الأمن البريطانية، “جي فور إس”، عملها في إسرائيل، وهذا مجرد غيض من فيض.

وبالنظر إلى المخاطر الكبيرة المحيطة بحقول الغاز الطبيعي في إسرائيل، فلن ترغب شركة “توتال” في مواجهة احتمالية مقاطعة المجتمع المدني وهي المقاطعة التي من شبه المؤكد أنها ستحظى بدعم الحلفاء المؤيدون لأمر المقاطعة سواء في لبنان أو الدولة الملهمة لها في إيران. وهذا لا يعني أن المقاطعة، في حد ذاتها، لها من التأثير الذي يمكنها من إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الإسرائيلي، بيد أنها قد تؤثر على النشاط التجاري سلبيًا. وتمتلك شركة “توتال” القدرة على عقد صفقات أكثر “تعقيداً” وإزعاجاً للشركات التي ترغب في القيام بأعمال تجارية داخل إسرائيل أو معها.

فعلى سبيل المثال، إذا رأينا أن رهان شركة “توتال” على إيران بات رهانًا خاسرًا، فربما يفترض المرء أنه يجب على “توتال” تغيير أطراف المعادلة، وتوثيق علاقتها مع إسرائيل. غير أن احتمالية استمرار المقاطعة يجعل هذا التحول محفوفًا بالجدل المحتمل.

وهناك عوامل أخرى مؤثرة قد تسلط المزيد من الضوء على المشكلة بأكملها على الصعيد العالمي. وعندما اكتشفت إسرائيل الغاز للمرة الأولى، كانت ثمة دفعة قوية لتصدير الغاز عبر تركيا إلى أوروبا. وتحاول تركيا، والتي تفتقر إلى مصادر الطاقة غير أنها تمتلك موقعًا مركزيًا، أن تقدم نفسها على أنها مركز رئيسي للطاقة والذي يربط المناطق المنتجة للطاقة في الشرق الأوسط بأوروبا.

بيد أن ثمة عقبات سياسية، حيث توترت العلاقات بين إسرائيل وتركيا بعد الربيع العربي وذلك بعد أن سعت أنقرة لدعم التغيير في المنطقة، في حين بدأت إسرائيل في التودد إلى حلفاء جدد في المنطقة مع ترسيخ احتلالها للضفة الغربية. ومع فشل تركيا في رهانها على الربيع العربي، توارت تركيا في القضية الفلسطينية مستغلة إياها لإظهار قوتها الناعمة في قلوب وعقول الكثيرين في أنحاء الشرق الأوسط. لقد وصمت الحروب الكلامية العلاقة بين تركيا وإسرائيل بالعار.

ومع نهاية العام الماضي، تعرض خط الأنابيب التركي للغرق. وبمساعدة من الولايات المتحدة، تم التفكير في مشروع جديد لإنشاء خط أنابيب غاز شرق المتوسط بتكلفة “7” مليارات دولار أمريكي وذلك لنقل الغاز من الحقول البحرية الإسرائيلية إلى الأراضي اليونانية عبر قبرص وجزيرة كريت.

وبمجرد تشغيل خط الأنابيب بكامل طاقته، فانه سيوفر “10” مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى الأسواق المتعطشة للطاقة في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيجلب مليارات الدولارات إلى إسرائيل واليونان وقبرص، مع توفير الغاز برسوم أقل للعملاء الشماليين الذين يعتمدون على روسيا ودول الشرق الأوسط الأخرى حتى الآن.

ومرة أخرى، قد تواجه التعقيدات السياسية الإسرائيلية في صفقات الطاقة في شرق المتوسط منافسة في القريب العاجل. وفي علامة أخرى على التعقيد المذهل الذي تشهده السياسات الخاصة بالغاز في البحر الأبيض المتوسط، قادت موسكو جهود التنقيب الخاصة بها في المياه قبالة الساحل السوري (وفي لبنان، بالشراكة مع شركة “توتال”، كما سبق ذكره). من المرجح أن يتم تصدير أي اكتشاف هام إلى تركيا، وذلك نظرًا لقربها من الحقول، وتطور علاقتها مؤخرًا مع روسيا. ومع ذلك، فمثل هذه الأمور لا تجيب بالضرورة على مسألة السيادة المطلقة على تلك الأصول حتى يتم التوصل إلى حل نهائي للصراع السوري بشكل ما. ومع ذلك، فإن ما تريده روسيا ليس فقط المشاركة في أي اكتشافات أخرى لغاز المتوسط، بل أيضًا مصلحتها في حماية دورها كمورد رئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا.

وتشهد العلاقات بين روسيا وإسرائيل تحسنا في الوقت الحالي. حيث تتواصل الدولتان بانتظام لمناقشة الإجراءات الروسية في سوريا، كما أن وجود أكثر من مليون روسي في إسرائيل يساعد على المحافظة على الروابط الثقافية والاجتماعية بين البلدين. ولكن بمجرد تدفق الغاز الإسرائيلي إلى الاتحاد الأوروبي، فسرعان ما قد تتأثر هذه العلاقة، لأن الاقتصاد الروسي يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات تصدير الغاز إلى أوروبا.

وبالتالي، ومن قبيل المقارنة، أثبتت عمليات استخراج الطاقة الهيدروكربونية وتصديرها في دول مجلس التعاون الخليجي في الشرق الأوسط أنها أكثر وضوحًا بالنسبة إلى شركات الطاقة العملاقة. وبالتالي فإن تعقيد السياسات – المحلية والدولية – في المشرق العربي ستؤثر بشكل متزايد في حسابات شركات مثل “توتال”. وهنا، هل المشكلات المحيطة بالعمل داخل إسرائيل أو التعاون سببًا في الوضع الراهن؟.

في الوقت الحالي، تتحرك إسرائيل بسرعة بمساعدة الولايات المتحدة في محاولة لتحويل سوق الطاقة في أوروبا. غير أن الجغرافيا السياسية – المفحمة بجرعة كبيرة من النشاط المحلي – يمكنها أن تغير الحسابات الاقتصادية. وهذا ما يجعل حسابات الطاقة في إسرائيل وشرق المتوسط معقدة دائمًا ولا يمكن تسويتها أبدًا.