فاعلية أي لقاح جديد للملاريا يقابلها احتمالية تخلي الدول المتقدمة عن دعمه

مايكل جينينغز

AFP photo: Alexander Joe

في خضم سيل الأخبار المتعلقة بلقاحات فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، اختفى ذكر الإنجازات الهامة التي حدث مؤخرًا على صعيد مواجهة كبرى التحديات الصحية الأخرى. ومن بين تلك التحديات الصحية نذكر مرض الملاريا. وفي أبريل/نيسان، أعلن معهد “جينر” التابع لجامعة أوكسفورد عن نجاحه في رفع كفاءة أحد لقاحات الملاريا لتصل إلى “77%” أثناء التجارب. ورغم أن الوقت لايزال مبكرًا لاكتشاف لقاحٍ فعال لمواجهة مرضٍ يصيب أكثر من 200 مليون شخص كل عام، فهناك إحساسًا بأننا أقرب كثيرًا إلى هذا الهدف من أي وقت مضى. ومع ذلك، قد تكون قدرة اللقاح الهائلة في القضاء على الملاريا بنجاح سببًا، على خلاف العادة، في تفويت الدعم اللازم لنجاح هذا اللقاح. وفي الملاريا مثالاً على أن احتياجات الجنوب العالمي، أو العالم النامي، تتعارض مع مصالح الشمال العالمي، أو العالم المتقدم.

أولاً، ثمة تحذير، وهو أنه من الجدير بالذكر أن تجربة اللقاح في بوركينا فاسو حدثت على نطاق صغير، حيث شملت التجربة “450” طفلاً تزيد أعمارهم عن عام وفي منطقة لا تنتشر فيها الملاريا على مدار العام. وتمثل المراقبة طويلة المدى والتجارب الأكبر المرحلة التالية في تأكيد هذه النتائج المبكرة. ولكنه لم يتضح من النتائج حتى الآن سوى لمحة محيرة عن الاحتمالات الحقيقية لفعالية اللقاح.

والملاريا مرض يسببه طفيلي ينتقل عن طريق بعوضة “الأنوفيلة” التي تتغذى على دم الإنسان، مما قد يؤدي إلى الإصابة بالحمى وفقر الدم الشديد وتلف كبير في أعضاء الجسم. وفي بعض أنواع الملاريا، يهاجم المرض وظائف المخ. وتشكل القارة الأفريقية حوالى “95%” من نسبة الإصابات والوفيات بهذا المرض، ويمثل الأطفال دون سن الخامسة حوالى ثلثي حالات الوفاة السنوية حول العالم والبالغ عددهم “400,000” حالة وفاة.

والملاريا، من الناحية التاريخية، لا يقتصر على دول العالم النامي. ويسلط اسم المرض ذاته – والمشتق من اللغة الإيطالية، ومعناه حرفيًا “الهواء السيئ” – الضوء على مدة وجوده في أوروبا. وكانت الملاريا متفشية في المملكة المتحدة وهولندا في القرن العشرين، ولم تُعلن إيطاليا خلوها من الملاريا حتى عام 1970.

وبدأت الجهود الأولى للقضاء على الملاريا في خمسينيات القرن الماضي في إطار البرنامج العالمي للقضاء على الملاريا التابع لمنظمة الصحة العالمية (وهو برنامج قرر – بشكل مخجل – استبعاد أفريقيا جنوب الصحراء من الحملة “العالمية”)، باستخدام عقار الكلوروكين المضاد للملاريا، ورش مساحات كبيرة بمبيد “ثنائي كلورو ثنائي فينيل ثلاثي كلورو الإيثان” أو DDT.

وعاد الاهتمام بالملاريا في أواخر التسعينيات من خلال إنشاء حملة دحر الملاريا، والتركيز على المرض باعتباره أحد التحديات الصحية العالمية “الثلاثة الكبرى” ضمن مرامي الأمم المتحدة الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة (MDG)، وأبرز اهتمامات منظمات مثل الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، ومؤسسة “بيل وميلندا غيتس”.

ومن خلال توزيع الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات، وتطوير عقاقير جديدة لعلاج الملاريا، وتجديد الجهود للسيطرة على تجمعات البعوض، انخفضت وفيات الملاريا إلى النصف خلال العقدين الماضيين. ومع لقاح أكسفورد الجديد، هناك إمكانية تقليص عدد الوفيات بدرجة كبيرة، وربما لعشرات الآلاف، في غضون بضع سنوات من طرح لقاح فعال.

ومع ذلك، لايزال الحذر مطلوبًا. أولاً، لأنه يتضح من تاريخ مكافحة الملاريا، والتعامل العالمي مع التحديات الصحية على مدى نصف القرن الماضي، أن البرامج الصحية الناجحة تتطلب اهتمامًا ودعمًا مستدامًا ومركّزًا. وبسبب تقليص التمويل العالمي المخصص لجهود مكافحة الملاريا، تلاشى التقدم الحاصل في مكافحة المرض في أماكن مثل سريلانكا وأماكن أخرى في سبعينيات من القرن الماضي. وبقدر ما قد يبدو الأمر غريباً، فالنجاح في بعض الأحيان قد يكون سبيلاً للفشل.

إن عودة الاهتمام على مدار العقدين الماضيين بالملاريا، وكذلك فيروس نقص المناعة البشرية والسل، ضمن المرامي الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة وداخل المنظمات الدولية، لم يكن مجرد انعكاس للأرواح التي حصدتها هذه الأمراض في الدول النامية، وخاصة القارة الأفريقية، بل أيضًا اعترافُا بأن هذه الأمراض تشكل تهديدًا للأمن الصحي في الدول المتقدمة أيضًا.

وفي أكسفورد وأماكن أخرى، عمل العلماء لسنوات على إيجاد لقاح للملاريا. ولكن ظهور اللقاح، والدعم المقدم لمثل هذه الأبحاث من الموارد الحكومية، يدلنا على شيء هام حول الصحة العالمية، وهو: أن التقدم السريع في الطب غالبًا ما يرتبط بإدراك أن المشكلة الصحية تمثل تحديًا للأمن الصحي للدول المتقدمة.

إن المخاوف المتزايدة من أن حالة الطوارئ المناخية ستخلق ظروفًا قد تجعل الملاريا تتفشى مرة أخرى أو تنتشر في أمكان جديدة في الدول المتقدمة، قد جذب بعض الاهتمام بمرض الملاريا كأولوية صحية عالمية – مثلما كان السبب، ولو جزئيًا، في الإعلان عن فاشية إيبولا (2013-2016) كحالة طوارئ صحية عالمية هو أن عواصم أوروبا وأمريكا الشمالية كانت في خطر، وذلك بفضل القرب بينهم بسبب وسائل النقل الجوي. وفي الوقت نفسه، فإن ما يسمى “بأمراض المناطق المدارية المهملة”، وهي مجموعة من 17 مرضًا تؤثر بشكل أساسي على المليار السفلي “المليار الأكثر فقرًا” من سكان العالم، مع تهديد محدود للمقيمين أو حتى السائحين في الدول المتقدمة، لا تحظى حتى الآن بالتمويل اللازم مقارنة بالأعداد المتضررة.

فإذا كان بإمكان أي لقاح ناجح الحد من العدوى والوفيات، ويقلل من التهديد المتصور للأمن الصحي في الدول المتقدمة، فستكون الملاريا قطعًا في أدنى مراتب الأولويات الصحية، وقد نجد لاحقًا صعوبة أكبر في توفير التمويل المطلوب للقضاء على هذا المرض. فهل كانت المملكة المتحدة ستخفض تمويلها لحملة القضاء على شلل الأطفال بنسبة 95٪ إذا استمر هذا المرض في تشكيل خطر جسيم على بريطانيا؟.

ثانياً، لقد وعدنا من قبل بحلولٍ سحرية جديدة. ولم يظهر الراغبون المتفائلون للحصول على لقاح ناجح خلال العقدين الماضيين، إلا لإفشال الاختبار الحاسم المتمثل في تجربة اللقاح على نطاق واسع.

ومع ذلك، يبدو أن هذا اللقاح الجديد واعد أكثر من اللقاحات السابقة. ولكن حتى لو نجح هذا اللقاح، فسيكون في الأساس أداة للسيطرة على الملاريا وليس القضاء عليها. إذن فالأخبار جيدة، ولكن يجب استقبالها بحذر. وسيكون الانخفاض المفاجئ في الوفيات موضع ترحيب كبير، وقد يكون سببًا في حملة ناجحة للقضاء على مرض الملاريا. ولكن حتى إذا ثبت كفاءة اللقاح بنسبة “77%” في الحياة الواقعية، فمن المرجح قياس القضاء على المرض بالعقود وليس بالسنوات – وهذا إذا ظلت الدول المتقدمة مستمرة في تقديم الدعم المالي للقاح.

مايكل جينينغز، مساعد مدرس في التنمية الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، بجامعة لندن، وهناك يدرس القضايا المتعلقة بالصحة العالمية، وسياسة وتاريخ التنمية العالمية.