ازدياد مرض الحصبة وغيرها من الأمراض القابلة للعلاج بسبب انتشار “السذاجة والغباء”

جوناثان جرونال

AFP photo/Abd Doumany

بين سطور أحد التقارير التي تحذر من ارتفاع حالات الحصبة بين الأطفال في جميع أنحاء العالم يمكن العثور على أحد الأمثلة المزعجة في وقتنا هذا. ففي الأسبوع الماضي، حذرت المنظمة الخيرية العالمية للأطفال، وهي منظمة “اليونيسف”، من أن حالات الحصبة – وهي حالة مرضية ربما تكون مميتة ويمكن الوقاية منها بسهولة من خلال تناول لقاح آمن ورخيص في مرحلة الطفولة المبكرة – “آخذة الارتفاع إلى مستويات عالية بشكل مقلق”.

ويعود السبب في بعض الحالات المصابة بمرض الحصبة إلى انهيار أنظمة الرعاية الصحية في البلدان التي تعاني من الصراعات أو الاضطرابات الاجتماعية. ففي اليمن، تم تقليص برامج التطعيم، بنسبة تعادل “36%” من نسبة الجرعة الأولى من التطعيم ضد مرض الحصبة في عدن على مدى السنوات القليلة الماضية.

وتقدر منظمة “أنقذوا الأطفال” أن “50%” من الأطفال الذين ولدوا خلال الصراع السوري غير محصنين ضد مرض الحصبة.

وشهدت فنزويلا، بسبب الفوضى السياسية، انتشار مرض الحصبة مجددًا، وأصاب الالاف منهم، وأودى بحياة العشرات.

غير أن الغالبية العظمى من حالات الحصبة المسجلة في أنحاء العالم تكون في البلدان الغنية والمستقرة نسبياً والتي تقبع تحت سيطرة أحد الأمراض الحديثة – وهو الانتشار شديد العدوى للأخبار المزيفة والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت.

وتنتج الحصبة عن فيروس ينتشر بسهولة عن طريق السعال والعطس والاتصال المباشر. وتحدث الوفاة نتيجة المضاعفات المصاحبة للمرض، ومنها انتفاخ الدماغ، والجفاف الناجم عن الإسهال الحاد، وعدوى الجهاز التنفسي. وقبل اكتشاف لقاح الحصبة في عام 1963، كان المرض فتاكًا، فكان يحصد حياة أكثر من 2.5 مليون شخص كل عام.

ومنذ ذلك الحين، قطع العالم شوطًا كبيرًا في التعامل مع المرض. وبين عامي 2000 و2017، ارتفعت تغطية برامج التطعيم ضد الحصبة من “70%” إلى “85%” من أطفال العالم، مما حال دون وفاة أكثر من 21 مليون طفل.

ورغم ذلك، لايزال الأطفال يموتون، والسبب في ذلك إلى حد كبير هو التوجه المقلق في القرن الواحد والعشرين إلى تفضيل نظريات المؤامرة على الأدلة القوية التي يقدمها خبراء المرض – وهو توجه استغله السياسيون الشعبويون أمثال “دونالد ترامب”، والذي كرر في تغريدة له على تويتر دعمه للمزاعم الباطلة بأن ثمة صلة بين اللقاحات ومرض التوحد.

وما بين عامي 2016 حتى عام 2017، ارتفعت النسبة العالمية لعدد حالات الحصبة بنسبة “30%”، والارتفاع الأكبر من نوعه في حالات الإصابة هو في شرق البحر المتوسط والأمريكتين وأوروبا. وفي العام الماضي في أوروبا، ارتفع عدد حالات الإصابة بالمرض إلى أعلى مستوى له خلال “20” عامًا، حيث أصاب المرض “60,000” شخص، وأودى بحياة “72”.

وكانت أكبر زيادة في حالات الإصابة بمرض الحصبة ما بين عامي 2017 حتى 2018 في ثلاثة بلدان – وهي أوكرانيا والفلبين والبرازيل. وفي العام 2018، سجلت أوكرانيا وحدها “35.120” حالة إصابة بالمرض، و”30″ حالة وفاة، بالإضافة إلى “24.042” إصابة بالمرض خلال أول شهرين من العام ذاته. وعلى الصعيد العالمي، وفي العام 2017، توفي 110،000 شخص، معظمهم من الأطفال دون سن الخامسة، بسبب الحصبة، على الرغم من توافر لقاح آمن ورخيص وفعال.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن خطة العمل العالمية والطموحة الخاصة باللقاحات والتي تهدف إلى توفير اللقاحات إلى كل شخص بحلول عام 2020 قد “بدأت قوية ولكنها آخذة في التراجع”. وتسابق منظمة الصحة العالمية واليونيسيف الزمن لمعرفة سبب عودة مرض الحصبة وظهور خصائص واضحة له. وفي تقريرها السنوي الصادر في شهر يناير، وصفت منظمة الصحة العالمية “التردد في  تناول اللقاح” بأنه أحد التهديدات العشرة الرئيسية للصحة العالمية.

ويشير الدكتور “سيث بيركلي”، الرئيس التنفيذي للتحالف العالمي للقاح والتحصين، إلى “الرضا عن الذات، وانتشار الأكاذيب حول اللقاح”. وتستشهد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونسيف” بتزايد “المواقف السلبية تجاه التحصين” في العديد من البلدان، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث ارتفع عدد حالات الحصبة ستة أضعاف بين عامي 2017 و 2018.

وفي الفلبين، حيث أدت المفاهيم الخاطئة عن خطر اللقاح المضادة لحمى الضنك إلى تقويض الثقة بجميع اللقاحات، وهناك ثمة 12.736 حالة إصابة بالحصبة، و “203” حالة وفاة خلال الشهرين الأولين من هذا العام فقط. وتقول “هنريتا إتش فور”، المديرة التنفيذية لليونيسيف، أن الحصبة قد تكون هي المرض، “لكن العدوى الحقيقية في كثير من الأحيان هي التضليل [و] عدم الثقة”.

والحقيقة هي أن الحصبة أكثر خطورة من لقاح الحصبة، حيث يحصد المرض أرواح حالة واحدة من كل 30.000 حالة في البلدان ذات الدخل المرتفع، وحالة واحدة من كل خمس حالات في لبلدان الفقيرة، بينما اللقاح، على الجانب الآخر، يسبب تورم في الدماغ أو رد فعل تحسسي حاد – وكلاهما قابل للعلاج – في حالة واحدة فقط من بين مليون حالة.

ويتم تغذية الشكوك حول اللقاحات بشكل عام، واللقاح المناعي ضد الحصبة والنكاف والحميراء، على وجه الخصوص، من خلال حركة منتشرة على الإنترنت تسمى نفسها “”مناهضة اللقاح”. وأحد أبطال هذه الحركة هو “أندرو ويكفيلد”، وهو طبيب بريطاني تم شطبه من السجل الطبي في المملكة المتحدة في عام 2010 بعد أن نشر ورقة بحثية في مجلة “ذا لانسيت” يدعي فيها أنه كان ثمة ارتباط بين اللقاح المضاد للحصبة والنكاف والحميراء وبين مرض التوحد.

وتبين أنه لا وجود لمثل هذا الارتباط، وسحبت المجلة الورقة بعد اكتشاف أن “ويكفيلد” كان مستشارًا مدفوع الأجر في دعوى قضائية أقامها آباء يزعمون فيها أن اللقاح المضاد للحصبة والنكاف والحميراء أضر بأطفالهم. ومع ذلك فإن ورقة “ويكفيلد” البحثية الفاقدة للمصداقية كانت سببًا في حدوث انخفاض حاد في جميع معدلات التطعيم حول العالم، يقابله ارتفاع حاد في حالات الإصابة بالحصبة.

وفي الولايات المتحدة، والتي انتقل إليها “ويكفيلد” بعد شطبه من سجل أطباء المملكة المتحدة، حصل “ويكفيلد” على تكريم حركة “مناهضة اللقاح”، بحجة أنه ضحية مؤامرة شارك فيها إحدة شركات “الأدوية العملاقة”، ومؤسسة طبية يفترض أنها تعمل لحسابها. ويعتقد علماء النفس أن تنامي الاعتقاد بنظريات المؤامرة هي رد فعل لعالم حديث حيث يشعر العديد من الناس بفقدان السيطرة على نمط الحياة والافتقار إلى احترام الذات.

ومن ناحية أخرى، قد يفسر علماء الأحياء التطوري الرفض اللاعقلاني لتدخلات الرعاية الصحية المنقذة للحياة على أنها وسيلة تطويرية يتم فيها اختيار الجينات الأكثر ملاءمةً لمواصلة التنمية البشرية.

ومثل شلل الأطفال والجدري، يمكن استئصال الحصبة، غير أن ما يمسى بـ”مناعة القطيع العالمية” تعتمد على 95٪ من السكان الذين يتم تلقيحهم. وعلى الصعيد العالمي، توقفت تغطية الجرعة الأولى من لقاح الحصبة عند نسبة “85%”.

ومن المفارقات أنه على الرغم من التألق الفطري للعقل البشري الذي اخترع لنا السلاح لإلحاق الهزيمة بأسباب الأمراض التي قضت على عدد كبير من البشر ، فإننا نبدو عاجزين عن مواجهة المرضين الحديثين اللذين ما زالا يحصدان أرواحنا – وهما السذاجة والغباء.