ينتظر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مستقبل مبهر، الا ان مساوئ نمط الحياة تهدد هذا المستقبل

جوناثان جرونال

جاء بافتتاحية الشهر الحالي من مجلة لانسيت Lancetالطبية؛ أنه على مدار السنوات العشر الماضية قام برنامج “دراسة عبء المرض العالمي”، بإرسال رسالة تطمين حول تقدُم البشرية، والواقع أن هذا الفحص الصحي الشامل المستمر، تمّت مراجعته 3 مرّات على مدار 10 سنوات، وهو نتاج عمل 1800 باحث من 127 دولة، وقد كان “مثالًا للعالم الصحي”، حيث انخفض معدل الوفيات وارتفع متوسط العمر بشكل كبير.

حتى الآن

“عبء المرض العالمي 2017” هي مجموعة من الأوراق نُشِرت هذا الشهر في مجلة “لانسيت”، وقامت بتوجيه “رسالة تحذيرية عاجلة قادمة من العالم الهش”، في بعض المناطق الغنية من العالم والتي من غير المتوقع ان يتم توجيه الرسائل اليها، وباتت قلة معدلات الوفاة لدى البالغين تشهد ثباتًا، بينما زاد معدل وفيات البالغين في بعض الدول.

وفي البداية، نتحدث عن قصة النجاح. فعلى المستوى العالمي، فقد زادت توقعات الأعمار من 48.1 عامًا في العام 1950 إلى 70.5 في العام 2017 بالنسبة للرجال، وزادت من 52,9 إلى 75.6 بالنسبة للنساء، وأكثر المناطق التي شهدت زيادة في متوسط الاعمار منذ العام 1950 هي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث ارتفع متوسط الأعمار من 42.4 إلى 74.2، وشهدت منطقة جنوب الصحراء الإفريقية أقل مستوسط للأعمار خلال العام 2017، حيث بلغ معدل الأعمار للرجال والنساء 63.9، وهو ذات المعدل العالمي خلال الثمانينات من القرن الماضي، لكن حتى تلك المنطقة باتت تشهد زيادة مطردة في معدل الأعمار.

وعلى مستوى العالم، فقد زاد معدل الأعمار 35 عامًا أو يزيد منذ العام 1950 في 13 دولة، بما فيها إيران والأردن وعُمان وتونس وتركيا، وحصلت النساء على مكاسب مشابهة في 11 دولة بما فيها إيران والأردن وعُمان.

لكن وعلى غير المتوقّع؛ فإن الزيادة في متوسط الأعمار قد توقّف فجاة، وسيشهد معدل الأعمار 90 عامًا أويزيد كما يتوقّع العلماء.

وقد احتفل مؤلفو “عبء المرض العالمي 2017” بهذا النجاح العالمي المتمثل في الانخفاض الهائل الذي شهده معدل الوفيات بين الأطفال دون الخامسة، حيث انخفض الرقم من 216 وفاة لكل 1000 طفل في العام 1950 إلى 39 وفاة، وهو تحسُن كبير جاء نتاجًا عن الحرص المحلي والدولي، والاستثمار في هذا المجال على مدار عدة عقود.

لكن في الكثير من الدول فإن زيادة متوسط العمر بالنسبة للرجال لم يكن بالقدر الكافي، ووفقًا للمؤلف فإن هذا الأمر يدعو للقلق، خاصة بين الرجال البالغين، وأيضًا بالنسبة للنساء ولكن بدرجة أقل، حيث أن معدل الوفيات بين النساء شهد استقرارًا في العديد من الدول، لكن في بعض الحالات شهد معدل الوفيات ارتفاعًا.

وتعُد الولايات المتحدة الأمريكية مثالًا للدولة الغنية التي يشهد فيها متوسط الأعمار مسارًا عكسيًا، فبالنسبة للرجال انخفض متوسط الأعمار منذ العام 2012، وفي المملكة المتحدة شهد متوسط الأعمار استقرارًا منذ العام 2015، حيث توقف عند 79.2 للرجال و82.9 للنساء، وفي مناطق أخرى من العالم فإن أسباب ارتفاع معدل الوفيات تعُد واضحة للعيان، ووفقًا لمجلة “لانسيت” فإن السبب هو “النزاعات العسكرية والإرهاب”، وقد بات هذين السببين “من أهم الأسباب السريعة التي تؤدي إلى الوفاة على مستوى العالم”، حيث زادت نسبة الوفيات نتيجة النزاعات المسلحة والإرهاب 117% ما بين عامي 2007 و2017.

وقد أشار تقرير “عبء المرض العالمي 2017” إلى دول بعينها مثل سوريا واليمن، حيث أدّت الحرب الأهلية إلى ضياع وتراجع مكتسبات مستقرة تم الوصول إليها على مدار أعوام فيما يخُص متوسط الأعمار، ومنذ العام 2007 فقد تسببّت النزاعات المسلحة في مقتل ما يزيد على مليون شخص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتلك الفجوة القاتلة، حسب مصطلحات الأكاديميين، قد أدّت إلى مقتل مئات الآلاف قبل أوانهم، وقد وصل متوسط الأعمار إلى 65 عامًا بالنسبة للرجال من مواليد سوريا واليمن، في مقابل 72 عامًا وهو المعدل السائد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي المملكة العربية السعودية أو حتى العراق فإن الأطفال الذين يولدون الآن من المتوقع لهم أن يعيشوا 75 عامًا، وتزيد تلك النسبة في الكويت لتتخطّى 80 عامًا.

وحتى بالنسبة لدول الخليج الغنية؛ فإن المؤلف يحذر من أن انخفاض معدل الوفيات بالنسبة لأعمار محددة لم يعُد مضمونًا، إلا إذا تم الإقدام على خطوات سريعة في مجال الصحة العامة، وما يحدث في الولايات المتحدة ربما يكون نذيرًا لما سيحدث في منطقة الشرق الأوسط.

وفي الولايات المتحدة فإن البدانة ومرض السكري تعدان من الأسباب الرئيسية لتوقُف زيادة متوسط الأعمار، وكذا تعاني جميع دول العالم تقريبًا؛ وخاصة دول الخليج الغنية؛ فالبدانة وأمراض القلب والسكري باتت في صعود، وذلك يهدد بضياع مجهودات استمرت لعقود.

وهناك علامات تدعو إلى القلق تشير إلى أن هناك انتكاسات، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن متوسط الأعمار في الإمارات العربية المتحدة في العام 2016 قد بلغ 76.5 للرجال و78.7 للنساء، الا ان الإحصاءات الأخيرة الصادرة في العام 2017 أشارت إلى أن تلك الأرقام قد هبطت إلى 71.65 للرجال و76.94 بالنسبة للنساء.

وتلك النكسات جاءت متناقضة مع النجاح المستمر الذي تشهده المملكة العربية السعودية، حيث أنه بين عامي 2016 و2017 زاد متوسط الأعمار من 73.5 إلى 75.29 للرجال، ومن 76.5 إلى 79.43 بالنسبة للنساء، الا ان هناك مخاوف بشأن الصحة العامة في المملكة والتي من الممكن أن تؤدي إلى تراجُع تلك الاتجاهات الإيجابية.

وقد شمل تقرير “عبء المرض العالمي 2017” تحذيرًا واضحًا، فخلال العام 2017 تسببّت 4 أسباب فقط للقتل في وفاة 28.8 مليون شخص على مستوى العالم، والغريب أن الإنسان هو من يتسبّب في استضافة تلك الأسباب ونشرها، ومنها ارتفاع ضغط الدم والتدخين وارتفاع نسبة السكر في الدم والبدانة.

وتقول مجلة “لانسيت” إن العام القادم سيكون حاسمًا في المعركة ضد الأمراض غير المُعدِية، وقد شهد العام 2011 قيام منظمة الصحة العالمية بإصدار البيان السياسي الخاص بالوقاية من الأمراض غير المُعدِية ومكافحتها، حيث قامت جميع الدول بتبنّي تلك المبادرة، وذلك عبر الاعتراف بأن الأمراض المزمنة تعُد السبب الرئيسي الذي يؤثر على التطور البشري، وعلى أي حال فمنذ ذلك الحين وعلى الرغم من البلاغة في التعبير عن ذلك، إلا أن الزخم قد توقف.

وهناك إحصائيتين يمكن لهما توضيح القصة المأساوية الخاصة بالحياة والموت في العالم الحديث، فخلال الأعوام العشرة الماضية فإن الوفيات الناتجة عن الأمراض المُعدِية وأمراض الأمومة وحديثي الولادة وتلك الناتجة عن سوء التغذية شهدت انخفاضًا بنسبة 22.2%، وخلال ذات الفترة فإن الوفيات الناتجة عن الأمراض غير المُعدِية زادت بنسبة 22.7%.

وقد كافحت البشرية بشكل كبير ضد انتشار الأمراض المُعدِية التي ظلّت لقرون سببًا لوفاة اعداد كبيره، ولكن الآن الأوبئة التي تواجهنا تتسم بالضعف الا أنها كثيرة العدد.

AFP PHOTO/KARIM SAHIB