#MeToo في الشرق الأوسط: النساء تبدأن حواراً لم يكن في الحسبان

ريم تينا غزال

لا تزال حركة #MeToo تكتسب زخماً عالمياً، وأخيراً فقد شجّع ذلم المشاهير والنساء من كافة الفئات الاجتماعية للإفشاء عن التحرش الجنسي المنتظم  والإساءات التي تعرّضن إليها.

ولم يترك هذا الحراك المنحدر من فضيحة هوليوود من الأثر إلّا القليل المخيب في الشرق الأوسط أو على الأقل في عالم المشاهير، غير أن انعكاسه على مستوى القواعد الاجتماعية في المجتمع العربي بين النساء العربيات والمسلمات بدا واضحاً وحقيقياً حيث أنه أبرز قضايا التعاطي والشوفينية وعدم المساواة بين الجنسين المتفشية في هذه المنطقة. وبالطبع فإن النساء اللواتي أطلقن النقاش في العالم العربي لسن من النجمات البراقة في عالم الشهرة وقمن بإطلاق حوار يتحدى المحرمات المتأصلة.

وللأسف لم تنضم أي امرأة عربية شهيرة أو أي شخصية رفيعة المستوى من المجتمع إلى حركة #MeToo  إلى الآن حيث أني على معرفة بعدد من المشاهير ولطالما دارت الأحاديث بيننا حول التحرش الجنسي وحتى سوء المعاملة التي تعرّضن إليه على أيدي الرجال من ذوي النفوذ. ومع ذلك، فقد علَت أصوات آلاف النساء العربيات العاديات على وسائل التواصل الاجتماعي تحت نفس الحركة بترجمتها العربية ”أنا كمان“.

وكان ما نثرته تلك النساء عبر حساباتهن على مواقع التواصل الاجتماعي مؤلماً بتفصيله للعنف الجنسي الذي ارتكبه الأقارب بحقّهن بما في ذلك الآباء والأعمام، والتي تم التكتّم عليها وكأنه لم يكن. ومنهنّ من تناولت الأسباب التي دفعت إلى التكتّم عن هذه المواضيع الحساسة، خشيةً من ردة فعل النساء الأخريات – حتى أمهاتهن وأخواتهن – في ظل المحرمات التي لا تزال مرتبطة بالعنف الجنسي وتداخلها القائم مع حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.

ولا تزال خشية الحديث عن هذه المسائل قائمة في المنطقة حيث غالباً ما يتم تبرير هذه التفوهات والتصرفات غير اللائقة في مكان العمل على أنها “ثقافية” أو مجرّد “مجاملة” للمرأة الجذابة، التي غالباً ما تشعر بالإهانة. ولا يقلص ذلك من الدور الذي تلعبه العوامل الثقافية في حين أن العالم العربي لحق بحملة  #MeToo والتي انطلقت من الولايات المتحدة  ويعتقد الكثيرون أن المشكلة تتفاقم بشدة في المنطقة. لم استغرب الكم الهائل من المشاركات التي تم بثها حول التحرش الجنسي في مصر والتي تطابق استطلاع للرأي العام أقيم سنة ٢٠١٧  يصنف القاهرة بأنها ”الأخطر بين المدن الكبرى للمرأة” من ضمن قائمة 19 مدينة وضعتها الأمم المتحدة.

و لن أنسى صور حوادث الاعتداء الجنسي التي حصلت خلال مظاهرات الربيع العربي والتي تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال عملي  كمراسلة عامي ٢٠١٠ و٢٠١١، على الرغم من الأمل الذي اتسم به الربيع . ويبدو أن أسوأ الحوادث وقعت في مصر، حيث صدر التبليغ عن المئات عن الاعتداءات الجنسية.

يذكرنا العدد الهائل من النساء اللواتي تلتحقن بحركة #MeToo بمدى تأثير هذه القضية على كل منا بشكل عيني. تعرض صديقتي، وهي صحفية تغطي الأحداث في شوارع القاهرة، إلى اعتداء شرس من قبل مجموعة من الرجال، في حين ضحك المتفرجون وأخذوا يسجلون لقطات على هواتفهم. وباتت تخشى من الخروج إلى الأماكن العامة بعد ذلك، وأخذ من هم حولها بما فيهم زملائها الرجال بالقول إن النساء “مسؤولات” عن تعرضهن للاعتداء إذا قررنا التظاهر في الشوارع.

تطلب الأمر تعرّض ضحية رفيعة المستوى وهي لارا لوغان من تلفزيون سي بي أس للاعتداء الجنسي في ميدان التحرير في القاهرة خلال الاحتجاجات، لتسلّط وسائل الإعلام الدولية الضوء على هذه القضية.

هناك نزعة مرعبة للاعتداءات في التجمعات العامة الكبيرة، بما في ذلك الاحتجاجات والمهرجانات وحتى الأحداث الدينية. في حين أن هذه الظاهرة لا تقتصر بالتأكيد على الشرق الأوسط، وقد أبرزت حملة #MeToo أمثلة فظيعة من التحرش الجنسي والاعتداءات الجنسية التي استهدفت عدداً من النساء خلال الحاج. وقد كانت إحدى هذه الحملات عبارة عن هاشتاج، #MosqueMeToo،  أطلقتها الصحفية المصرية المصرية منى الطحاوي، والتي قامت النساء بموجبها بالإبلاغ عن تجارب شخصية من المضايقات وغير ذلك من السلوكيات غير اللائقة التي تعرضن إليها في مكة المكرمة وفي الأماكن الدينية الأخرى.

وذكرت تلك النساء أساوة الدمار الذي يشعرن به جراء تشويه تلك الاعتداءات للذكريات الغالية لأوقات الصلاة، دنّسها تحرشوا بهن  أو قاموا بغيرها من الملامسات غير المناسبة التي تعتبر اعتداءً جنسياً وجريمة في أي مكان، غير أن ما يسزيد الاعتداء سوداً حدوثه في مكان محرّم. وتحدثت الضحايا عن كونهن محتشمات تماماً عند وقوع مثل هذه الاعتداءات، وكنّ يتوقعن أن تردع قداسية المكان مثل هذه السلوكيات.

وهذا موضوع يهمّني بشكل خاص فعندما قمت بتغطية الحج في عام ٢٠٠٨، كان عدد حالات التحرش المتعلقة بالسلوك غير اللائق التي تم رصدها كبيراً وعندما واجهت أية مشكلة، سعرت بالامتنان تجاه هؤلاء الشباب السوعوديين المتطوعين والذين هرعوا لمساعدتي.

لطالما دعت الطحاوي إلى المساواة بين الجنسين في الشرق الأوسط، وحملتها هي مجرد مثال واحد مما تفرّع عن #MeToo من حركات في الشرق الأوسط. وقد ألهمت الأمريكية من أصل فلسطيني ياسمين مجلي فأطلقت مجموعة ملابس تحت شعار ”لست حبيبتك“ “Not Your Habibti”. ويعتبر اختيارها لكلمة ”حبيبتي“ والتي شاع استخدامها في كافة أنحاء المنطقة تشجيعاً للمجتمع الفلسطيني لمواجهة التحرش الجنسي.

كان لا يمكن للمرء تخيّل حدوث هذا النوع من الحوارات منذ سنوات قليلة حيث أنها قد تثير الحساسيات في المجتمعات التقليدية ذات الأدوار الجندرية المتأصلة، غير أنه من الضروري أن تثار تلك المواضيع في سبيل تقدّم المنطقة في قضايا حقوق الإنسان الأساسية والكرامة.

وما يدهشني في تلك القضايا هو ترشيدها عن طريق إلقاء اللوم على الضحية. ويبدو أن الفرضية هي أنه في ظل ظروف معينة، يكون التحرش الجنسي إلى حد ما باطنياً في طبيعة الرجل ويتوقع حدوثه. وهذا الرأي يلحق ضرراً فادحاً بالرجال والنساء في المجتمع. موجة المد والجزر من الردود على حملة #MeToo قد غسلت أي ادعاء من هذا القبيل. وقد أظهر العدد الهائل من النساء اللواتي روين قصصهن كم هو من العبث أن يلقى اللوم على الضحية. في الشرق الأوسط، وفي غيره من المناطق، نشأ حوار جديد سللط الضوء على التحدي الحقيقي ألا وهو تحميل الرجل كامل المسؤولية إذا أساء التصرف.

AFP PHOTO / CRIS BOURONCLE