قادة الشرق الأوسط يخذلون الشعب السوري، ومعه المنطقة

ياسمين الجمال

“لم تعد لدينا كلمات لوصف معاناة أطفال سوريا ومشاعر الغضب التي تعترينا”. إن البيان المقتضب الذي أدلت به منظمة “اليونيسف” المعنية بشؤون الطفل إثر المجزرة التي ارتكبتها قوات الحكومة السورية في الغوطة الشرقية قد أبان عن قلة الحيلة إزاء مثل هذا العمل الفظيع الذي يعجز عن وصفه اللسان. فكيف للكلمات أن تصف هذه المأساة؟ ومع ذلك، للكلمات وزنها وأهميتها، خاصة إذا كانت تُبرز النوايا. فبعد أن انتظر قادة الشرق الأوسط أن تمر أيام قبل الإدلاء ببياناتهم، وبعد أن أزهقت أرواح 300 سوري بريء بمنتهى الوحشية (علماً أن كثيرين من هؤلاء القادة لم يدلوا بأي شيء حتى هذه اللحظة)، قد انكشفت لامبالاتهم بأرواح شعوب المنطقة، وتجلت نظرتهم إلى العالم التي تغلب عليها البرودة والقسوة وعدم الرحمة، ولا تنذر إلا بمزيد من الصراع على حساب الناس البسطاء الذين يطمحون إلى عيش حياة طبيعية.

لقد أصبح من الواضح تماماً أن ساسة المنطقة وقادتها قد فشلوا في تعلم أهم درس، وهو أنه ما داموا يرفضون تغليب تطلعات وحقوق الناس البسطاء على سعيهم وراء الهيمنة الإقليمية، فإن المنطقة ستظل عاجزة عن تحقيق مرادها. كما ستتواصل الاستعانة بالمجتمع الدولي خارج المنطقة لتقديم الدعم التنموي، وذلك لتعويض النظامين الصحي والتعليمي المتهالكين، ولإقامة تحالفات عسكرية لمحاربة الارهاب الناجم عن كثرة التظلمات، والأهم من ذلك، لتوفير الأموال الهائلة لدعم اللاجئين الذين لا يملكون وطناً يأوون إليه ولا ينعمون براحة البال الضرورية لإعادة بناء حياتهم المدمرة.

هذا وتوضح لنا جولة افتراضية في أرجاء المنطقة مجموعة من المشاكل التي ستستمر في تقويض إمكانية نموها ما لم يتم التصدي لها فوراً ومن الداخل.

ففي مصر، يحكم قائد عسكري سابق، ارتدى عباءة المناهض لاستيلاء الإسلاميين على السلطة، بلداً يرزح تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية شديدة، وهو يستعد حالياً للترشح مرة أخرى في انتخابات تخلو من المنافسة الفعلية.

أما الحكومة اللبنانية فهي في حالة شبه دائمة من العجز، ترقب عدداً كبيراً من الشباب وهم يغادرون مكرهين بلدهم الحبيب، إما بعد أن حاولوا دون جدوى التصدي للفساد وانعدام الكفاءة، وإما بعد أن أدركوا ببساطة بأن لا حاجة لمهاراتهم في بلد يكافئ الولاءات على حساب القدرات.

أما المملكة العربية السعودية، فحتى وإن كانت تحاول إصلاح اقتصادها ومجتمعها المدني، فإن مواجهتها مع إيران لا تزال مستمرة في الجارة اليمن، حيث يدفع اليمنيون أرواحهم ثمناً لذلك.

وليست إيران بأحسن حال، فقد اختارت استعمال أصولها التي ألغي قرار تجميدها مؤخراً نتيجة الاتفاق النووي مع قوى العالم لتأجيج النيران المشتعلة في سوريا، لتختار بذلك الاستثمار في الصراعات الخارجية عوض تلبية تطلعات الإيرانيين في الداخل.

بينما يتواصل استهداف المدنيين المأساوي والمخزي والمتعمد في سوريا دون حسيب أو رقيب، لأن بشار الأسد ينعم بالاطمئنان لعلمه بأن الغرب لن يجرأ على مواجهة دعم روسيا للديكتاتور. وبالتالي فإن المأساة تستمر.

إن الشرق الأوسط منطقة معروفة بدماثتها وضيافتها ومرونتها، إلا أن معظم الدول لم تتمكن بعد من معرفة كيفية الاستفادة من إمكانياتها. وحتى البلدان التي تمكنت من ذلك، فإنها تقر بوجود هذه الصفات في شعوبها دون غيرها، وتقوم بالاستثمار وفقا لذلك، في وقت تتجاهل فيه الصراع القائم لدى جيرانها، أو تشعل نيرانه. كما أن دول الخليج الغنية تعجز عن فهم أن الكوارث الإنسانية المخزية المستعرة على حدودها لن تبقى بعيدة عنها، في ظل عدم قدرة قادة المنطقة على وضع حد للمعاناة الإنسانية الفادحة.

ورغم أن الوقت قد تأخر، فإن الأوان لم يفت بعد لتغيير مجرى الأوضاع في المنطقة.

ففي مصر على سبيل المثال، يجب على الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي من غير المرجح أن يواجه تحدياً جدياً من قبل أي شخص في الانتخابات المقبلة، أن يستخدم انتصاره، الذي بات حتمياً، كوسيلة ليس فقط لترسيخ سلطته، ولكن كفرصة للتصدي ربما لأهم مسالة تسترعي الاهتمام: نظام التعليم المتداعي في البلاد.

ثانياً، يتعين على دول الخليج تخصيص جزء من ثرواتها الهائلة لتخفيف عبء الدول الفقيرة كالأردن ولبنان فيما يتعلق باللاجئين السوريين. حيث إن الضغوط التي تعاني منها الدول المستقبلة للاجئين لا تطاق وتستوجب معالجتها، إذ سيكون لعدم القيام بذلك عواقب مستقبلية لا يمكن تصورها.

ثالثاً، يجب على دول مجلس التعاون الخليجي وإيران أن تقر بأنه ستزيد صعوبة تفادي الصراع ما لم يتخلى الطرفان عن خطاباتهما المعادية المبالغ فيها. فمن المؤكد أن مثل هذا الصراع لا يخدم مصلحة أحد، وأنه سيكلف الطرفين، والمنطقة برمتها، الكثير.

وأخيراً، ومع استعداد مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى اليمن الجديد لتولي منصبه، يتعين على أطراف الصراع التفاعل معه بحسن نية، بهدف إعادة بدء العملية السياسية والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل فوري وغير مقيد إلى من هم في أشد الحاجة إليها.

إن هذه التوصيات تتجاهل عمداً دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. فمع عدم امتلاك الولايات المتحدة لاستراتيجية حقيقية بخصوص الشرق الأوسط، وغرق أوروبا في أزماتها، لم يعد هناك أي ستار يختبئ وراءه قادة المنطقة. لقد حان الوقت لتفعيل القيادة الإقليمية.

AFP PHOTO / ABDULMONAM EASSA