المهاجرون النازحون من الشرق الأوسط يتحوّلون إلى بيادق في حرب باردة جديدة

نيكولا ميكوفيتش

Image courtesy of Leonid Shcheglov/AFP

ينما نحن على أعتاب الشتاء، ما زال آلاف المهاجرين من العراق وسوريا واليمن عالقين في البرد القارس على الحدود بين بيلاروسيا حليفة روسيا وبولندا العضو في الاتحاد الأوروبي، وهدفهم واضح وجلي؛ ألا وهو الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي الغنية مثل ألمانيا أو فرنسا أو بلجيكا في أسرع وقت ممكن. لكن التوترات الناجمة عن حرب باردة جديدة يُخشَى اندلاعها أدت إلى استخدام هؤلاء اللاجئين اليائسين النازحين من الشرق الأوسط كبيادق في لعبة جغرافية سياسية.

وفي نظر الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، ما المهاجرون سوى أداة؛ فقد أحضرهم إلى تلك الدولة الواقعة في أوروبا الشرقية من أجل الاقتصاص من الغرب على العقوبات التي فرضها على مينسك في أعقاب قمع الاحتجاجات الجماهيرية في عام 2020 واعتقال المعارض رومان بروتاسيفيتش في شهر مايو، وسياسة لوكاشينكو بسيطة للغاية: كلما زادت القيود التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على بيلاروسيا، زاد عدد المهاجرين الذين سيتدفقون إلى الاتحاد الأوربي. لكن بروكسل لا تنوي التراجع؛ فقد وافق الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين على فرض عقوبات إضافية على بيلاروسيا. وعلى الرغم من أن التفاصيل النهائية ما تزال قيد النقاش، فمن المتوقع أن تستهدف العقوبات حوالي 30 فردًا وكيانًا، بما في ذلك وزير خارجية بيلاروسيا وشركة الطيران البيلاروسية بيلافيا. من جانبه، يهدد لوكاشينكو بالرد بقطع إمدادات الغاز عن أوروبا.

وسيكون لمثل هذا الإجراء بلا شك تأثير خطير على القارة بأكملها نظرًا لأن روسيا خفضت بالفعل إمدادات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، ما أدى إلى زيادة هائلة في أسعار الطاقة. لكن نظرًا لأن خط أنابيب الغاز الطبيعي يامال- أوروبا الذي يمر عبر الأراضي البيلاروسية مملوك لشركة غازبروم الروسية العملاقة للطاقة، فلا يمكن للوكاشينكو إيقاف نقل الغاز ما لم يحصل على الضوء الأخضر من موسكو. وإذا قرر الكرملين رفع مستوى المخاطرة ووافق على قرار لوكاشينكو، فقد يصبح انقطاع التيار الكهربائي في العديد من الدول الأوروبية حقيقة واقعة.

ونظرًا لأن الغرب يدرك تمامًا أن أزمة المهاجرين يمكن أن تتصاعد وتسفر عن عواقب وخيمة، فقد بدأ بالفعل في الضغط على روسيا لتقييد ما يمكن للوكاشينكو فعله، وهناك تقارير تفيد بأن الاتحاد الأوروبي يستعد لفرض عقوبات على شركة الطيران الروسية الحكومية إيروفلوت بسبب الوضع على الحدود البولندية البيلاروسية، وتشير بعض التقارير إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي يعتقدون أن شركة إيروفلوت تنقل المهاجرين من الشرق الأوسط إلى مينسك، الذين يحاولون بعد ذلك عبور الحدود البولندية، لكن شركة الطيران تنفي بشدة هذا الادعاء. وإذا فرضت بروكسل بالفعل مثل هذه العقوبات على الشركة الروسية، فقد يرد الكرملين بحظر مرور شركات الطيران الغربية فوق الأراضي الروسية، ما سيؤدي بلا شك إلى زيادة أسعار تذاكر الطيران للعديد من الوجهات.

وقد أخذت الخطوط الجوية التركية التهديدات الأوروبية لشركة إيروفلوت على محمل الجد؛ فأكدت الشركة أنها لم تعد تقبل مواطنين عراقيين وسوريين ويمنيين على متن رحلاتها إلى مينسك، باستثناء حاملي جوازات السفر الدبلوماسية. وبعد أن ضغط الاتحاد الأوروبي على العراق لتعليق جميع الرحلات الجوية إلى بيلاروسيا، بدأ معظم المهاجرين في السفر جوًا إلى مينسك عبر اسطنبول. والآن بعد أن تم قطع الطريق التركي، ثمة تقارير تفيد بأن السلطات البيلاروسية تخطط لزيادة عدد الرحلات الجوية من العديد من دول الشرق الأوسط إلى جمهورية الاتحاد السوفيتي السابق. ومن المتوقع أن يواصل الغرب محاولة منع مثل هذه الترتيبات، ولكن إذا ظل لوكاشينكو مصممًا على الاستمرار في الانتقام من عقوبات الاتحاد الأوروبي، فيمكنه جلب المهاجرين من آسيا الوسطى، أو حتى من جمهورية الشيشان الروسية، إلى الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي.

وتشيد بولندا، وكذلك ليتوانيا ولاتفيا، حواجز على طول حدودها مع بيلاروسيا حيث يثبت التاريخ الحديث أن مثل هذا الإجراء يمكن أن يكون فعالًا للغاية؛ ففي عام 2017، أكملت الحكومة المجرية إقامة سور من الأسلاك الشائكة على طول حدودها مع صربيا، وكانت النتيجة انخفاضًا في محاولات المهاجرين دخول الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانوني. لكن إذا لم يتوقف لوكاشينكو عن إشعال فتيل الحرب الباردة مع الاتحاد الأوروبي، فيمكن أن يعيد توجيه اللاجئين جنوبًا إلى أوكرانيا، وسيحاول طالبو اللجوء بعد ذلك الذهاب إلى بولندا أو سلوفاكيا أو حتى المجر في طريقهم إلى الدول الأوروبية الأكثر ثراءً.

ومن وجهة نظر بيلاروسيا، دمرت أعمال الغرب في الشرق الأوسط العديد من البلدان ويضطر المهاجرون الآن إلى البحث عن حياة أفضل في أماكن أخرى. وهذا هو السبب في أن السلطات البيلاروسية تذكّر الاتحاد الأوروبي باستمرار بأنه قد وافق على المبدأ القائل بأنه إذا فر شخص ما من منطقة حرب ووصل بطريقة أو بأخرى إلى ألمانيا أو فرنسا أو أي دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي، فيمكنه التقدم بطلب لجوء. وقد اتهمت روسيا، حليفة بيلاروسيا، الاتحاد الأوروبي بازدواجية المعايير على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف الذي زعم أنه عندما كان اللاجئون يصلون إلى أوروبا من الأراضي التركية، خصصت بروكسل أموالًا لإبقائهم في تركيا. بعبارة أخرى، أشار لافروف صراحة إلى أن الغرب يجب أن يدفع للوكاشينكو لوقف إرسال المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي.

ومثل هذا الخيار لا يبدو واقعيًا للغاية، فمن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، أي تنازلات لبيلاروسيا، سواء كانت مساعدات مالية أو رفعًا للعقوبات، ستُفسر على أنها علامة ضعف. لهذا السبب، يرفض الغرب التفاوض مباشرة مع لوكاشينكو، ويركز على الضغط على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. واتصلت المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها أنجيلا ميركل هاتفيًا بالزعيم الروسي مرتين في خلال أسبوع واحد في محاولة لحل أزمة المهاجرين، لكن أي اتفاق قد يتوصل إليه الغرب وروسيا ينبغي أن يشمل لوكاشينكو؛ فهو ليس ألعوبة في يد بوتين، بغض النظر عن مدى اعتماد بلده على روسيا. ويجمع الزعيمان تاريخ حافل بالخلاف والنزاع، خاصة فيما يخص ملف الطاقة، وكان لوكاشينكو يسعى دائمًا للحفاظ على أكبر قدر ممكن من سيادة بيلاروسيا، وكما ذكر بوتين بنفسه مؤخرًا، الرئيس البيلاروسي مفاوض صعب المراس، والاتحاد الأوروبي يتعلم ذلك من خلال التجربة الحية المريرة.

 

نيكولا ميكوفيتش محلل سياسي في صربيا يركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع الاهتمام بصورة خاصة بالطاقة و«سياسات خطوط الأنابيب».