خيارات ملابس النساء المسلمات تتحول إلى أسلحة سياسية

دنيانيش كامات

Image courtesy of Wakil Kohsar / AFP

لا تزال خيارات النساء المسلمات في مجال الملابس والأردية تُستخدم كسلاح، كما أنها لاتزال واقعة تحت عين الرقيب في الكثير من الحكومات ذات الطابع الذكوري حول العالم، من الهند إلى فرنسا، ومن أفغانستان إلى إيران، حيث تُستخدم النساء المسلمات كأداة لأغراض سياسية من قبل الحكومات الواقعة في قبضة السياسيين الذكور، وقد تختلف المبررات والأهداف السياسية، لكن تبقى قواعد اللعبة كما هي.

وفجأة أدركت إدارات الجامعات في ولاية “كارناتاكا” الهندية أن الحجاب، وهو عبارة عن وشاح يُلبس لتغطية الشعر والرقبة، ينتهك قواعد اللباس الرسمية. وعليه، لم تتمكن المسلمات المحجبات من حضور المحاضرات، وهذا الموضوع المثير للجدل مصمم ومصنوع بالكامل. فولاية “كارناتاكا” يحكمها الحزب القومي الهندوسي “حزب بهاراتيا جاناتا” (بي جي بي) ولإثبات أن قانون اللباس الجديد ينطبق على جميع الطوائف الدينية، منعت الجامعات أيضًا الطلاب الهندوس الذين يرتدون وشاح الزعفران من حضور الفصول الدراسية كون (لون الزعفران مرتبط بالهندوسية). ولكن لا علاقة لهذا بذاك، حيث قالت النساء المسلمات بأن الحجاب، مثل القبعة اليهودية أو العمامة السيخية، هو جزء لا يتجزأ من عقيدتهن، على عكس وشاح الزعفران، الذي ليس من أصول العقيدة الهندوسية.

وهناك العديد من الأسباب وراء اندلاع هذا الجدل الذي لا طائل منه في هذا الوقت، وأول تلك الأسباب هو الحفاظ على غليان نبض الشارع، لا سيما وأن الحظوظ الانتخابية لحزب “بهاراتيا جاناتا” في انتخابات الولاية الجارية في شمال الهند تبدو ضئيلة، والثاني هو استفزاز المعارضة العلمانية والمثقفين الليبراليين في الهند، ليتمكن حزب “بهاراتيا جاناتا” من تصويرهم على أنهم علمانيون زائفون ومهتمون فقط بإرضاء المسلمين، وسيساعد ذلك الحزب على جذب شريحة المحايدين بين الناخبين الهندوس والواقعين خارج مضلته. وأخيرًا، تصوير أعضاء المجتمع المسلم كمشاركين غير متحمسين في بناء أمة متجانسة وذلك يتعارض مع الفكرة التأسيسية للجمهورية الهندية، والقائمة على التعددية والعلمانية وعدم التفرقة بين جميع الأديان.

ولسوء الحظ، ليست الهند الدولة الوحيدة التي تشهد مثل تلك الممارسات.

حيث صوت مجلس الشيوخ الفرنسي على حظر ارتداء الحجاب وغيره من “الرموز الدينية الواضحة” في وقت سابق من هذا العام، وفي حين أن مشروع القانون، الذي لم يصبح قانونًا بعد، يهدف إلى إبعاد الدين عن الرياضة، إلا أنه يغض الطرف عن الممارسة الواسعة النطاق للاعبي كرة القدم الذكور الذين يرسمون علامة الصليب أثناء دخولهم الملعب، والرموز الدينية محظورة بالفعل في المدارس العامة في فرنسا، ويقع على كاهل المسلمات العبء الأكبر من ذلك القانون، وبينما يمكن ارتداء الصليب المسيحي تحت القميص، إلا أنه نادرًا ما تُرى القبعة  اليهودية في المدارس العامة الفرنسية، كون لدى اليهود الأرثوذكس في فرنسا عدد كبير من المدارس اليهودية الخاصة.

وفي الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية في شهر أبريل، شهد المسرح السياسي الفرنسي منافسة شديدة على من يمكن أن يبدو أكثر ذكورية تجاه المسلمين الفرنسيين بشكل عام والنساء في المجتمع بشكل خاص، حيث أثار “إريك زمور” وهو المرشح الرئاسي اليميني المتطرف، جدلاً كبيراً في العام الماضي عندما ظهر في مقطع فيديو وهو “يُقنع” امرأة مسلمة بخلع حجابها لإثبات أنها حرة. ويمكن تجاهل ذلك باعتباره مكيدة سياسية هامشية، لكن مع ذلك، أصبح الحجاب سلاحًا بشكل كبير في السياسة الفرنسية لدرجة أن حزب الرئيس إيمانويل ماكرون “لا ريبابليك إن ماركي” أسقط مرشحة في الانتخابات المحلية العام الماضي لظهورها في نشرة إعلانية وهي ترتدي الحجاب. كما أن تعليقات ماكرون الأخيرة بشأن “إعادة تشكيل الإسلام” في فرنسا تنم عن نهج الدولة ذو الطابع التربوي الذي سيختزل النساء المسلمات الفرنسيات ويضعهن تحت وصاية الدولة بدلاً من منحهن الكرامة كمواطنات متساويات في الجمهورية.

ولكن يبدو أن غطاء الرأس ليس هو الهدف الرئيسي، بل أن من يرتديه هو من يقف في مرمى نيران الدولة الذكورية، ففي أفغانستان، على سبيل المثال، لطالما ارتدت معظم النساء الحجاب، ومع ذلك، عند تولي حركة طالبان السلطة في العام الماضي، أصدرت مرسومًا يفرض ارتداء نقابًا يغطي الوجه وثوبًا أسود كامل الطول لجميع الطالبات الجامعيات. ومنذ ذلك الحين، ذهبت حركة طالبان إلى أبعد من موضوع اختيارات النساء في الملابس، حيث حاول النظام الجديد إخفاء النساء عن الأماكن العامة تمامًا، وبتلك الطريقة يصبح الحجاب موضوع ثانوي. وهدف طالبان الحقيقي هو السيطرة على هوية المرأة، من خلال طمس صورتهن من الأماكن العامة، وتهدف حركة طالبان إلى إظهار قوتها من خلال إعادة تشكيل ملامح المجتمع الأفغاني.

ولا شيء يستطيع عكس صورة رجال أقوياء يسعون إلى تبرير قبضتهم اللاأخلاقية على السلطة أكثر مما يجري في إيران المجاورة لأفغانستان، وكثيراً ما يُقال إن النظام في طهران قد يمد يد السلام لإسرائيل لكنه لن يتخلى عن سياسته الخاصة بغطاء الرأس الإجباري للنساء. ومع ذلك، فإن الحجاب القسري، الذي يتم فرضه غالبًا عن طريق قوة الدولة، هو أخر هواجس النساء في إيران.

ولطالما كانت النساء الإيرانيات في مرمى نيران سياسات الدولة الماكرة والتي سعت إلى اختزالهن في فئة المواطنات من الدرجة الثانية. ومع ذلك، فإن سياسة الحجاب الإلزامية التي تفرضها دولة يسيطر عليها الذكور هي رمز لحقيقة أن النظام الإيراني والرجال المسؤولين عنه سعوا إلى شرعنة وجودهم من خلال تقييد حرية المرأة، وقد فعلوا ذلك كطريقة لإلهاء الإيرانيين عن فشل النظام الذريع في منحهم الحرية والكرامة التي وعدت بها الثورة الإسلامية.

وترتبط عناصر كراهية النساء وحكم الأغلبية والتعصب بشكل وثيق مع النظام الذكوري، حيث لا يهتم النظام الذكوري بما ترتديه أو لا ترتديه النساء، لكن بالنسبة للنخبة السياسية الذكورية، فالهدف الوحيد دائمًا هو حرمان المرأة من الحرية سعياً وراء شرعنة أنفسهم وإحكام قبضتهم على السلطة، ومن صالحهم أن تحمل هؤلاء النساء شعارات تعكس هوية محددة أخرى سواء هوية دينية أو قبلية أو عرقية.

 

دانيش كامات هو محلل سياسي يركز على الشرق الأوسط وجنوب آسيا. كما أنه مستشار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للهيئات الحكومية والقطاع الخاص.