أهمية التكنولوجيات الجديدة للحوار بين الثقافات

ريم تينا غزال

AFP photo: David McNew

تستطيع الخوارزمية تحديد الوظيفة الأنسب للإنسان، وذلك بتحليل دقيق لقدراته وتطلعاته، وربما يعثر برنامج آخر على رفيق الحياة المناسب وفقًا لشخصية الإنسان أو مظهره، أو حتى جيناته. فهل يبدو هذا الأمر مستبعدًا؟ إنه في غاية الصعوبة. وتقدم الشركات العاملة عبر الإنترنت بالفعل كلتا الخدمتين – أو على الأقل، تدعي أنها تقدمها – في عالم مترابط ما كان لنا أن نعرف حدوده قبل بضعة عقود.

إن حياتنا الرقمية الجديدة لها نتائج عظيمة لمستقبلنا، من حيث آفاق الاحتمالات وكذلك المعوقات الخطيرة والتي بدأت في الظهور. وفي ظل التقريب بين الشعوب المختلفة، والتطرف في الحوار بين الثقافات إلى الانقسامات الجغرافية كما لم يحدث من قبل، فإن الطريقة التي نستخدم بها التكنولوجيا الجديدة – أو فشلنا في استخدمها – سيشكل تلك المجتمعات الجديدة، إما بتعزيز التفاهم، أو زرع بذور عدم الاستقرار.

وحظيت القضايا الرقمية باهتمام بالغ خلال المنتدى الأخير الذي حضرته في مدينة “مونبلييه” بفرنسا، حيث ناقش الشباب ورجال الأعمال والأكاديميين والفنانين والمفكرين مجموعة متنوعة من التحديات التي تواجه التعاون بين الثقافات، والفرص المتاحة لإنجاز هذا الأمر. استعدادًا لـ “قمة الضفتين”، بمنتدى البحر المتوسط، وهي مبادرة من الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، والتي ستنعقد في مدينة “مارسيليا” يومي 23 و24 يونيو، ركزت سلسلة الاجتماعات المغلقة على الثقافة والسياحة والإعلام، غير أن ما كان ملفتًا للنظر، هو كيف أن الضرورة اقتضت إدراج العديد من تلك المواضيع ضمن النقاش الخاص بالمجال السيبراني.

تتعلق بعض الخيارات الجديدة التي نواجها بأسلوب الحياة والراحة. وبالنظر إلى بلدي عن قرب، نجد أن الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية قد عينت مؤخرًا الموظفة الذكية “سارة”، وتعمل بالذكاء الاصطناعي لمساعدة المستهلكين وتزويدهم بالمعلومات المتعلقة بالأغذية والدواء، بدءًا من حساب السعرات الحرارية، والأغذية الصحية، وصولاً إلى الأسعار وتوافر المنتجات. وهذا إصدار تجريبي من الموظفة، غير أن الناس يتداولن خبرها فعليًا عبر تطبيق “الواتس أب”، ويتملكهم الفضول لمعرفة ما يمكن أن يقدمه ذلك المجسد المغطى بالحجاب.

لن يكون الذكاء الاصطناعي والروبوتات إمكانات بعيدة المنال في وقت ما مستقبلاً، غير أنها جزء من ثقافة المستهلك والخدمات المحيطة به. وسيؤدي هذا حتماً إلى المزيد من الأسئلة حول أفضل السبل للاستفادة من تلك التقنيات الجديدة في هذا العالم المتصل.

ويتعلق جزء من هذا التوازن الهام بالبيانات الشخصية. حيث نشرت معظم محركات البحث بالفعل خوارزميات لمراقبة عادات البحث عبر الإنترنت، بما في ذلك النقرات وأيضًا معدل الارتداد، وتجميع ملفات تعريف البيانات، وبالتالي تصفية المحتوى الذي يتم عرضه إلى إعلانات أو نتائج بحث. ورغم ذلك، ليس مصادفة أن تكون الإعلانات المعروضة على جهاز الكمبيوتر الخاص بي، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي مكتظة بالحيوانات اللطيفة. ولكن الجانب الأقل لطفًا، هو أن البيانات مصدر قوة، وتكون موجهة بصورة متزايدة إلى فئة قليلة.

ونحن في عصر يستطيع فيه الإنسان الحصول على المعلومات من أي مكان في العالم تقريبًا بلمسة زر- وفي الوقت نفسه، يخضع هذا الإنسان لعملية مراقبة عند الدخول إلى تلك المعلومات. فماذا تعني كلمة “خاص” بعد الآن؟

ومن المفارقة هي أنه في ظل رقمنة المعلومات الشخصية، أصبح من الصعوبة بمكان على الأشخاص الفعليين أن يتنقلوا بسهولة مثل بياناتهم. وبالإضافة إلى السلامة الشخصية، يسعى عشرات الآلاف من الأشخاص من الشرق الأوسط وإفريقيا إلى الهجرة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية للحصول على جوازات سفر تمكنهم من السفر بحرية أكبر.

ومع وجود الحواجز المادية الجديدة، كانت إحدى المناقشات المهمة التي أُثيرت في اجتماع “مونبلييه” الأخير هي الحوار بين الثقافات والمبادرات وإعداد التقارير، والتي تعتمد بشكل متزايد على الأدوات الرقمية. ويشكل تبادل الخبرات والأفكار، على سبيل المثال بين صحفي من مالطا وآخر من تونس، جزءًا لا يتجزأ من مجموعات المهارات الجديدة المطلوبة اليوم.

وكان هناك نهم واضح للتعلم من المشاركين الآخرين في الاجتماع، ولكن في نفس الوقت، هناك صعوبة في الاتفاق على أمر ما، والمرور بتجربة حقيقة في الحوار بين الثقافات. وفي مجموعتي فقط، هناك أشخاص من الجزائر وكندا ومصر وفرنسا وإيطاليا ومالطا وتونس والمملكة المتحدة والعديد من الجنسيات الأخرى – وكان علينا جميعًا الاتفاق على المشروع النهائي.

واقترحت مجموعة أخرى تدشين “سفينة ثقافية وإعلامية” حقيقية، وترسو تلك السفينة عند موانئ وسيطة لتبادل الثقافات والخبرات والأفكار. وقد تبدو الخطة مبالغ فيها، إلا أن هذا الأسلوب من الاتصال والتواصل يعزز التفاهم وينزع فتيل التعصب ويقدم حلول مشتركة للمشاكل المشتركة بيننا في تلك الأيام، ومنها تغير المناخ. وبالطبع، تشكل حرية التنقل واحدة من أصعب المشكلات، فهناك مشكلات يجب حلها قبل أن تُبحر سفينة الثقافة، مثل القيود المفروضة على تأشيرات السفر، والفحوصات الأمنية، وحظر السفر، ناهيك عن التمويل.

والبديل – لبناء مجتمع في الفضاء السيبراني – هو وضع حل واضح لتلك الحواجز اللوجستية. ولكن مع تطور هذا المجتمع، هناك قضايا أخرى بارزة يجب مراعاتها، ومنها الفجوة الرقمية. وكيف نضمن الوصول إلى من يملكون القليل من المعلومات أو لا يستطيعون الوصول إليها، ومنهم اللاجئون، والفقراء في القرى النائية، وأصحاب الهمم، وغيرهم من الفئات المهمشة؟، ففي كثير من الحالات، تكون تلك الفئة من الناس هم من نريد فعليًا التواصل معهم.

إن إمكانية الوصول إلى البيانات، والقيود المفروضة على حرية تنقل الكثير من الناس تحول دون تحولهم إلى مواطنين عالميين حقًا. وهناك بالتأكيد تحديات، ولكن لا يمكن التغلب عليها في عالم أصبحنا فيه بالفعل جزءًا متزايدًا من مجتمع عالمي: ألا وهو الإنترنت.