الخطوة الموالية في الحرب ضد “داعش”: إعادة تأهيل المقاتلين الأسرى

حايد حايد

لقد نجحت الحملات التي تقودها كل من الولايات المتحدة وروسيا في استعادة أغلب الأراضي التي كانت خاضعة لتنظيم “داعش” في شمال شرق سوريا، لكن هذا النجاح في ساحات المعارك سيذهب أدراج الرياح ما لم تتمكن الأطراف الرئيسية في هذه المعارك ومعها حلفاؤها المحليون من متابعة الجهود فيما يخص مسألتين اثنتين: تتجلى أولاهما في ضرورة تقديم خطاب بديل قادر على دحر الأيديولوجية التي يعتمدها تنظيم “داعش” في التجنيد، أما المسألة الثانية فتتجلى في تحديد كيفية ملائمة للتعامل مع آلاف المقاتلين الأسرى. وفي واقع الحال، نجد أن هاتين المسألتين مرتبطتان مع بعضهما البعض، فالفشل في صياغة استراتيجية مقنِعة للتعامل مع أي منهما سيؤدي لمشاكل في المستقبل، لذلك فلا بد من اتخاذ ما يلزم من خطوات.

إن الوضع الحالي على الأرض لا يبشر بخير. فقد أقدم مؤخراً مجموعة من مقاتلي التنظيم المحتجزين على الفرار من مركز اعتقال تابع لـ”قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة في شمال شرق سوريا. لكن مبعث القلق في هذه الحادثة لا يكمن في الأشخاص الذين هربوا في حد ذاتهم، بل في وجود إمكانية للهرب أصلاً. هذا وتتزايد المخاوف حول وقوع المزيد من حالات هرب وفرار أعداد أكبر من المحتجزين. ووفقاً لمسؤولين في “قوات سوريا الديمقراطية”، فإنهم يعتقلون بالفعل الآلاف من مقاتلي “داعش”، وهذا العدد سائر في الارتفاع في ظل العمليات المتواصلة ضد الخلايا النائمة التابعة للتنظيم. لذلك ستواجه مراكز الاعتقال ضغوطاً متزايدة للحيلولة دون عودة المقاتلين المعتقلين إلى ساحات القتال.

علاوة على ذلك، أدى الاعتماد على مراكز الاعتقال المخصصة، مثل السجن التابع لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، إلى ازدياد المخاوف من استغلال تنظيم “داعش” لهذه المنشآت، التي تُسير بشكل سيء حتى في أفضل الأحوال، من أجل إعادة تجميع صفوفه وتطوير شبكات جديدة. ويعتبر هذا الأمر مقلقاً بشكل خاص نظراً لأن نشأة “داعش” في العراق مرتبطة بكون قادتها كانوا محتجزين في ظروف مشابهة. ثم هناك إشكالية المقاتلين الأجانب الذين لا يريد أحد أن يتولى مسؤوليتهم؛ فمن بين مقاتلي “داعش” المحتجزين من طرف “قوات سوريا الديمقراطية”، وأغلبهم سوريون، يوجد على الأقل 500 آخرون جاؤوا من 40 دولة. ورغم الجهود التي تقودها الولايات المتحدة من أجل إعادة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم، تتردد العديد من هذه الدول في استقبالهم.

أخيراً، توجد إشكالية القانون. فلنأخذ حالة “قوات سوريا الديمقراطية” على سبيل المثال؛ فهي غير قادرة على محاكمة المقاتلين المعتقلين لأنها لا تتوفر على قوانين مكافحة إرهاب محددة يمكن تطبيقها. نتيجة لهذا، يظل مصير المحتجزين معلقاً في ظل وجود فراغ قانوني. فبدون اللجوء للتسوية القانونية، سيظل أغلب هؤلاء خاضعين للاحتجاز في المستقبل القريب، لكن هذا الوقت سيكون كافياً بالتأكيد للتخطيط لأعمال تخريبية (هذا بالطبع إن لم يتمكنوا من الهرب قبل ذلك).

خلاصة القول، إن الانتصارات المتتالية على قوات “داعش” في أرض المعركة قد لا يدوم أثرها طويلاً، فبدون تطبيق آلية يمكن من خلالها تأمين احتجاز المقاتلين المعتقلين ثم تغيير معتقداتهم، ربما عن طريق اللجوء للقانون، فإن المنتصرين في الحملات الأخيرة ضد “داعش” يراكمون المتاعب للمستقبل. لذلك يجب التعامل مع هذا الأمر باعتباره مسألة عاجلة.

وهو كذلك إلى حد ما، لكن ليس تماماً وبالتأكيد ليس بالشكل الكافي. فمن جهتها، عقدت “قوات سوريا الديمقراطية” صفقات من أجل إطلاق سراح أعداد قليلة من مقاتلي “داعش”، الأمر الذي تترتب عنه نتائج عكسية على عدة مستويات. وقد ظهرت أولى بوادر هذه الاستراتيجية خلال معركة مدينة الطبقة، حين عرضت “قوات سوريا الديمقراطية” توفير الحماية لمقاتلي “داعش” وأسرهم مقابل الاستسلام، واستمرت بشكل رسمي أكثر بعد الاستيلاء على الرقة عندما قامت “قوات سوريا الديمقراطية”، بناءً على طلب القادة المحليين، بإطلاق سراح مقاتلين تم أَسرُهم أو استسلموا خلال المعركة. وقد زعمت المجموعة أنها استقت هذه الاستراتيجية من رغبتها في تعزيز الروابط مع المجتمعات المحلية. إلا أن مثل هذه الصفقات لم تجد ترحيباً تاماً من المجتمعات المحلية نفسها، والتي شعرت أن أعضاء وقادة تنظيم “داعش” المعروفين الذين ارتكبوا جرائم وحشية يتم تحريرهم دون أي نوع من المحاسبة. علاوة على ذلك، تم إدماج بعض من أولئك المقاتلين الذين تم إطلاق سراحهم ضمن صفوف “قوات سوريا الديمقراطية”، الأمر الذي زاد من حدة التوتر بين “قوات سوريا الديمقراطية” والساكنة المحلية.

وقد برزت استراتيجيات أخرى للتعامل مع المقاتلين في مناطق أخرى، مثلما حدث في شمال شرق سوريا. ففي مدينة الأتارب على سبيل المثال، تم السماح لأعضاء سابقين من “داعش”، بعد أن قاموا بالتنديد بالتنظيم رسمياً، بالاستقرار في المدينة منذ سنة 2014، إلا أن عدد هؤلاء المقاتلين وحجم الانتهاكات التي ارتكبوها ظلاَّ على نطاق محدود. وفي خطوة ذات طابع أكثر رسمية، أقيم أول مركز لإعادة تأهيل أعضاء “داعش” في مدينة مارع الواقعة شمال حلب؛ وفي حين لم تتضح بعد مدى فعالية هذا المركز، فإن قدرته الاستيعابية محدودة في بضع عشرات من مقاتلي “داعش”، ما يجعل هذه المبادرة مثل قطرة في بحر في مواجهة الحجم الفعلي للمشكلة.

لكن، توخياً للإنصاف، يجدر القول إن الوضع أسوأ بكثير في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري. فالواقع يقول إن النظام الحاكم في دمشق تحت قيادة بشار الأسد لم يبذل أي مجهود لإعادة تأهيل مقاتلي أو داعمي “داعش” السابقين، ولم يحاول حتى إقامة صلح بين المقاتلين السابقين والمجتمعات المحلية.

إن الخطأ الذي ارتكبته الأطراف الرئيسية في الحملة المناهضة لـ”داعش” هي اعتقادها أن الانتصارات في ساحة المعركة وحدها كافية لاجتثاث جذور هذا التنظيم الإرهابي. لكن بالنظر إلى فشلها في وضع وتطبيق استراتيجيات مقنِعة لإعادة تأهيل مقاتلي “داعش” المعتقلين وتغيير معتقداتهم، فإن هذه الأطراف الرئيسية تخاطر بإمكانية السماح للتنظيم بالانبعاث في حلة جديدة، لكن بنفس القوة ونفس الدناءة. كما تحتاج القوى الخارجية التي تحارب “داعش” في سوريا أيضاً أن تفهم أن “داعش” هو نتاج ثانوي للصراع السوري، لذلك فإنه ما لم يتم التعامل مع الأسباب الجذرية للحرب الأهلية ومعالجتها، فإن هذا التنظيم وغيره من الجماعات الإرهابية سيواصل استغلال المظالم في سوريا والفوضى التي خلفتها حرب الأسد من أجل التوسع والازدهار من خلال إطالة المعاناة والبؤس دون أي تمييز. ومع الأسف، تظل الأطراف الرئيسية غافلة عما يجب أن تقوم به للتعامل مع كل هذه المستويات.

AFP PHOTO / JOSEPH EID