موظفو الخدمة العامة السوريون بلا عمل في المناطق التي كانت تحت سيطرة المتمردين

حايد حايد

AFP Photo:Mohamad Abazeed

فقد الكثير من السوريين وظائفهم بسبب الحرب الدائرة في البلاد. ولكن بالنسبة لمئات الموظفين في المناطق التي كانت تحت سيطرة المتمردين والتي استعادها النظام، فلا مجال لعودة هؤلاء الموظفين إلى عملهم، لقد فُصلوا من أعمالهم لأسباب مثل “الولاء” غير الكافي مرورًا بـ “التخلف عن العمل دون الابلاغ عن ذلك”. كما أن القيود التي تفرضها الحرب على الحركة والسلامة ليست،على ما يبدو، عذرًا كافياً للتغيب، فضلاً إن هذا الحدث الجغرافي وقع في المكان “الخطأ” الذي يسيطر عليه الطرف الخطأ”.

وما كان من المفترض أن يفقد هؤلاء وظائفهم. وفي ظل ما يسمى بـ”اتفاق المصالحة” -والذي يشار إليه في كثير من الأحيان باسم “اتفاقية الاستسلام”- بين النظام والمتمردين، تنفس الموظفون الحكوميون الصعداء بعد طمأنتهم بعودتهم إلى وظائفهم، ومنحهم أيضًا الحق في المطالبة بالمرتبات والمزايا التي تم تعليقها أثناء النزاع وبأثر رجعي. وأيًا كانت أسباب فصلهم جماعيًا، فقد ترك هؤلاء الموظفين المدارس والمستشفيات وغيرها من مؤسسات الدولة والتي تفتقر إلى العمالة الكافية ولا تعمل بالشكل الصحيح.

وفي ظل ندرة الإحصائيات الموثوقة، فإنه من المستحيل تقريبًا تقدير حجم المشكلة. ورغم ذلك، تبقى الأدلة غير المؤكدة هي السائدة. وظهرت أولى التقارير في أكتوبر الماضي من بلدة القنيطرة، وكانت البلدة منذ عام 2014 تحت سيطرة تحالف للمتمردين التابع للجيش السوري الحر. وأفادت مصادر أن “50” مدرسًا و”40″ موظفًا طبيًا، وأكثر من “300” موظف حكومي تعرضوا للفصل بعد فترة وجيزة من استعادة النظام سيطرته على المحافظة. وطرد النظام قرابة الـ”1800″ معلم وغيرهم من موظفي الحكومة في جنوب حمص، ومئات آخرين في درعا. ولم يعلم أغلبية المفصولين بقرار الفصل إلا بعد منعهم من العودة إلى العمل، وإحالتهم إلى شعبة الاستخبارات المسؤولة عن المنطقة.

ولا تشمل اتفاقية الاستسلام جميع المناطق التي يستعيدها النظام. ولكن حتى في تلك المناطق التي يبسط النظام سيطرته عليها، أو ينبغي له ذلك – يشعر الموظفون أنهم مستهدفون بالفصل لمجرد أنهم يعيشون في مكان كان خاضعًا لسيطرة المتمردين. وبغض النظر عن العوائق الكثيرة التي ربما منعت هؤلاء الموظفون من مغادرة المنطقة، فإن حقيقة أنهم ظلوا ماكثين في بلدات أو مدن تخضع الآن لسيطرة المتمردين تجعل ولائهم محل شك في نظر النظام. وعلى الرغم من أن فشلهم في الالتحاق بالعمل هو سبب تعرضهم للفصل في وقت السلم، فمن المؤكد أن يكون الفصل مقبولاً عندما تكون هناك معركة محتدمة في الشوارع، أو إذا كان مكان العمل تحت القصف.تعرض أعضاء المهن التعليمية والطبية لصدمة قوية وبالأخص عندما علقت المؤسسات الرسمية نشاطها مع انسحاب القوات الحكومية، مما دفع هؤلاء الأعضاء في نهاية المطاف إلى العمل مع الهيئات الحكومية ومقدمي الخدمات  التابعين للمتمردين حفاظًا على سير العمل بالمدارس والمستشفيات والعيادات.وفي الوقت الراهن تستجوب أجهزة الأمن أي موظف حكومي متهم “بمقاومة” النظام. ولا يتمكن من استعادة وظيفته إلا من يراه النظام “بريئًا”، أو يستطيع دفع الرشوة لتفادي الفصل. ويواجه الموظفون أيضًا احتمال تغريمهم من قبل نفس المحكمة، أو الحكم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات بتهمة “التخلي عن” وظائفهم.وكان العشرات من الموظفين الحكوميين قد طعنوا على قرار فصلهم، لكن من النادر أن تقبل المحكمة طعونهم. لا يقتصر الضرر الناتج عن الفصل الجماعي للموظفين الحكوميين العاملين في المناطق التي كانت خاضعة للمتمردين على هؤلاء الموظفين فقط، بل يضر السكان بشكل عام. فعلى سبيل المثال، تعرضت معظم المنشآت الطبية في محافظة درعا لأضرار جسيمة أو دمار كامل، وهذا يعني أن السكان سيضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدينة درعا أو دمشق طلبًا للعلاج الطبي. غير أن المستشفيات والعيادات في تلك الأماكن تفتقر إلى مئات الأطباء والممرضات. فمن بين 95 مدرسة في بلدة القنيطرة، على سبيل المثال، لم يتبقى سوى “30” مدرسة عاملة – رغم النقص الشديد في عدد الموظفين بعد طرد “200” مدرس من “386” مدرسًا. وتعتمد المدارس الآن على موظفين مؤقتين غير مؤهلين ويفتقرون إلى الخبرة المطلوبة.ومع قلة الفرص والظروف الاقتصادية  المُتدهورة، يضطر العاطلون إلى الاعتماد على المساعدة المالية من الأقارب الذين يعيشون في الخارج، وانضم بعضهم إلى القوات الموالية للنظام لمجرد البقاء على قيد الحياة.لن تجلب السياسات العقابية تجاه ساكني المناطق التي كانت خاضعة للمتمردين سوى المزيد من الانقسام والاستقطاب وعدم الاستقرار في سوريا لسنوات قادمة. والطريقة الوحيدة لتجنب هذه النتيجة هي معاملة المدنيين بحسب سلوكهم وتصرفاتهم وليس انتمائهم السياسي، وإنشاء مؤسسات دولة عادلة وفعالة ومسؤولة أمام أصحاب المصلحة – المواطنين السوريين. 

حايد حايد هو زميل باحث في المركز الدولي لدراسة التطرف بجامعة كينجز كولدج بلندن، وهو أيضاً زميل باحث استشاري في برنامج معهد تشاتام هاوس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.