في ذكرى يوم النكبة، اللاعنف هو كل ما تبقى من الأطلال للفلسطينيين

جوزيف دانا

في الخامس عشر من هذا الشهر، سيحتفل الفلسطينيون بالذكرى السبعين لتهجيرهم من أراضيهم على وقع قيام دولة إسرائيل. تُعرف الذكرى السنوية كذلك بالنكبة أو “الكارثة”، ودائمًا ما تتسم الذكرى السنوية الحزينة بالتوتر، وإذ لا يختلف هذا العام فهو كغيره من باقي السنين. فبعد 70 عاما من التشرذم والعنف والتهجير من الأرض، وجد الشعب الفلسطيني نفسه أكثر عزلة من أي وقت مضى. لقد استكمل الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية إلى درجة أن أعمالها الوحشية اليومية بالكاد ما يتم رصدها في وسائل الإعلام الدولية. إذ يواصل الإسرائيليون بناء المستوطنات متى شاءوا، وتوطيد جدار التضليل والخداع للتحكم بحياة الفلسطينيين ونهب الموارد الطبيعية في المنطقة مع الإفلات من العقاب.

وكمكافأة على عقود مضت من التعنت الإسرائيلي، قامت إدارة الرئيس دونالد ترامب باتخاذ خطوة فاضحة عن طريق نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهي خطوة اعتُبِرَت لفترة طويلة تحت التسوية من أجل التوصل إلى اتفاق سلام حقيقي وعادل. وبالنظر للوطن عن كثب، فلا يزال الانقسام السياسي بسبب الانفصال الجسدي لقطاع غزة عن الضفة الغربية يشكل مصدراً لتفسخ عميق داخل الجسد السياسي الفلسطيني. ومع احتجاز سكان غزة في سجن في الهواء الطلق على حافة أزمات إنسانية، فإن حركة حماس تبقى معزولة وبدون أي حلفاء بشكل عام. وإذ يواصل الرئيس (الطاعن في العمر) للسلطة الفلسطينية، محمود عباس، إظهار مدى ملامسته للاحتياجات الفلسطينية في تصريحاته بكل خطاب عام. حيث قام عباس في الأسابيع الأخيرة، باستخدام منبره لنشر نظريات المؤامرة المعادية للسامية. وعند هذه النقطة، فإن الذراع الوحيدة للسلطة الفلسطينية يتمخض في تعاونها الأمني ​​مع الجيش الإسرائيلي. وهو ما لا يحمل في طياته بالتأكيد أي مصالح للشعب الفلسطيني على الإطلاق.

لقد أدار الحلفاء التقليديين للقضية الفلسطينية بدول الشرق الأوسط ظهورهم بشكل متزايد للصراع المستمر منذ عقود. مشغولة بشعوذة القضايا الجيوسياسية من إيران إلى سوريا وحرب اليمن، وقفت دول خليجية عديدة بصمت لا تحرك ساكناً بينما يقوم ترامب بمنح الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية بشكل أساسي على القدس. إذ كانت الرسالة واضحة من عدة عواصم في الشرق الأوسط: الفلسطينيون ضعفاء، مصابون بالفتور، منقسمون ولا يمثلون ثمة أولوية بالنسبة للعالم العربي. الامر الذي يتعارض، بطبيعة الحال، مع المستوى العالي من الدعم الذي يتلقاه الفلسطينيون من المجتمع المدني في كافة أرجاء المنطقة.

وفي خضم كل هذا التشاؤم والكآبة، هل يوجد أي بصيص من الأمل للفلسطينيين في النكبة هذه السنة؟ ففي حين قد لا يبدو أن الأمر مؤثراً، إلا أن هناك الكثير من الأمل في المظاهرات السلمية غير المسلحة التي وقعت مؤخراً في كافة أرجاء فلسطين. على مدار عقود طويلة، تساءل المثقفون الغربيون وبعض الإسرائيليين علناً عن سبب عدم تبني الفلسطينيين لمبدأ اللاعنف(السلمية)؟ فأين هو غاندي الفلسطيني، يتساءل توماس فريدمان (كاتب العمود في صحيفة نيويورك تايمز). فماذا لو قام الفلسطينيون فقط بتنظيم احتجاجات سلمية على نطاق واسع، كما يصرح بذلك الكتاب الغربيون، عندئذ سيشهد العالم حالة الاحتلال الآثم كيف يكون واقعها.

في الواقع، تبنى الفلسطينيون السلمية واللاعنف كمبدأ منذ زمن طويل. وبينما كان بعض الفلسطينيين يلقون الحجارة على الجنود الإسرائيليين، كانت الانتفاضة الأولى في أواخر الثمانينات من القرن الماضي يتجسد واقعها في مقاطعة جماعية من المجتمع المدني للسلع الإسرائيلية، وحظر التجول المفروض ذاتيًا، والاحتجاجات الكبيرة التي تقودها النساء عند نقاط التفتيش الإسرائيلية. في ذلك الوقت، كان مبدأ اللاعنف الذي يتبناه المؤتمر القومي الأفريقي في جنوب أفريقيا في شكل عصيان مدني ومقاطعات مبشراً بالتعجيل بزوال الفصل العنصري. وفي الواقع، كان تبني الفلسطينيين لتكتيكات مماثلة يتسبب في رعب لا متناهي يصيب إسرائيل الي أبعد الحدود.

إن عملية أوسلو للسلام، التي بدأت بمؤتمر مدريد في عام 1991، قد ُفهمت الآن على أنها كانت بمثابة حيلة متقنة وخدعة مدروسة كي تكون المقاومة الفلسطينية السلمية أمراً مستحيلاً. فمن خلال إنشاء شكل محدود من الحكم الذاتي الكامل مع قوات الأمن المدربة والخاضعة تحت إشراف إسرائيل والولايات المتحدة، أنشأت عملية أوسلو مؤسسات قادرة على سحق المقاومة الفلسطينية في مهدها وبأي شكل من مصدرها. وقد يعزو استمرار الاحتلال إلى الفلسطينيين أنفسهم، فمنذ عام 1994 لم يعد أي شيء كما حدث بالانتفاضة الأولى.

لكن اليوم، وفي هذه الفترة المظلمة من حياة الشعب الفلسطيني، لا تزال روح السلمية (اللاعنف) نابضة بالحياة في الشارع. فخلال الشهرين الماضيين، اقترب الآلاف من الفلسطينيين من الحدود التي تفصل غزة عن إسرائيل لا يحملون شئياً سوى ارتداء القمصان على ظهورهم. حيث قُتل الكثيرون بنيران القناصة الإسرائيليين وأصيب كذلك المئات. لقد حاولت إسرائيل يائسة أن ترسم صورة للمتظاهرين بأنهم شباب لا اعتنق مبدأ العنف مرسلين من قبل حركة حماس، غير أن الصور الواردة من الخطوط الأمامية تحكي ثمة قصة مختلفة.

وفي الوقت نفسه، تستمر في الضفة الغربية احتجاجات المجتمع المدني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وبشكل متزايد رويداً رويداً ضد السلطة الفلسطينية ذاتها. لقد التزم هؤلاء المثقفون الغربيون-وهم الذين المناديين بمانديلا الفلسطيني-الصمت إلى حد كبير حول التطورات الأخيرة غير أن ثمة عدد قليل كانوا يتوقعون منهم أن يأتوا بالمساعدات الفكرية للقضية الفلسطينية. وحسبما يصرح البعض، فبعد كل شيء، تحدث هنالك ثمة تطورات أخرى في المنطقة.

في هذه الذكرى السنوية لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، يتضح ثمة أمر وحيد: لم يهرع أحد لتقديم المساعدة للشعب الفلسطيني في مسيرة نضاله من أجل الحقوق والكرامة. وإذ ما تزال قوة مبدأ النضال السلمي (اللاعنف) نابضة بالحياة ونشطة في فلسطين، غير أنها لن تحشد العالم لرؤية الصراع متخذا لمساره الجديد. فلم يتبقى أمام الفلسطينيين سوى طريقا طويلا، بات لزاماً عليهم أن يسلكوه بمفردهم في نهاية المطاف

AFP PHOTO/JAAFAR ASHTIYEH