وحده الاتحاد الأوربي يمكنه تهدئة التوترات الإيرانية الأمريكية

جريج سي برونو

AFP photo

بالنسبة للعديد من المراقبين  كان أداء  الاتحاد  الأوروبي ودوره في نزع فتيل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة بمثابة عرضًا مخجلا لعدم كفاءة الجهود الدبلوماسية ودليل إضافي  على ضعف  الاتحاد الأوروبي. ولكن كلما طال أمد الأزمة الإيرانية-الأمريكية ،  اتخذ التدخل الأوروبي شكلاً مغايرًا تماما: أفضل فرصة ليتجنب العالم مزيدا من إراقة الدماء في الشرق الأوسط.

في خلال الخمسة عشر شهرًا المُنصرمة منذ أن سحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  الولايات المُتحدة من الصفقة النووية الإيرانية (والمعروفة رسميًا باسم، خطة العمل الشاملة المشتركة أو JCPOA) ووضع واشنطن في مسار  تصادمي مع طهران، وقد لعبت أوروبا دور صانعة السلام، غير أن رغبتها لم تكن بذلك الوضوح طوال الوقت.  ولكن أوروبا  اعتقدت أن إبقاءها الصفقة النووية قائمة يمكنها من أن تُقيم مسارًا أقل عدوانية بعرضها  على إيران بديل لتفادي الضغوطات  الاقتصادية الأمريكية.

كانت تلك هي الفكرة،  على أية حال. قالت إيران في مايو الماضي أنه في حال  عدم تخفيف العقوبات الموقعة ها فلن يكون لديها أي خيار سوي التراجع عن وعودها بخصوص الإنتاج  النووي. ولاحقًا، في السابع من يوليو، أعلنت طهران أنها قد زادت من عملية تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز الحد الذى تسمح به  الصفقة. وقد أسفر ذلك -إلى جانب سلسلة من المناوشات المتبادلة مع الولايات المتحدة- عن مواجهة بطيئة الإيقاع لدرجة أن إقرار أكبر منافسي إيران الإقليميين كان أمرًا  لا مفر منه.

ويكمن جوهر الأزمة حتى الآن  في عدم القدرة على  توفير لإيران بديل عن العقوبات الأمريكية التعجيزية. فعلى سبيل المثال، كانت آلية دعم التبادل  التجاري مع إيران أو اينستكس Instex  والتي تأسست بواسطة فرنسا وألمانيا وبريطانيا، والتي كان من المُفترض أن تُعزز التبادل  التجاري مع إيران عن طريق تسهيل عملية الدفع بعملات أخرى غير الدولار  الأمريكي. غير أن تلك الآلية لم  تُستخدم بشكل كبير من قبل أولئك الذين يخشون إقصاءهم من الأسواق الأمريكية. وفي الأسبوع  الماضي، أكد مسئولو وزارة الخزانة الأمريكية تلك المخاوف عبر تحذيرهم للحلفاء الأوربيين بضرورة التخلي عن آلية دعم التبادل  التجاري مع إيران Instexوإلا سيدفعون الثمن.

ومع ذلك، وبالرغم من وجود العديد من الأسباب التي تدعو إلى التشاؤم إلا أنه لا يجب  استبعاد المشاركة الأوروبية. فبينما يمارس النظام  الإيراني تصرفاته العدائية – ما بين شن هجمات  على ناقلات البترول إلى  اختبارات إطلاق صواريخ باليستية جديدة– والتي تزيد من سوء حالة الصراع. فمن غير أوربا يمكنه أن يقود جميع نحو الهدوء؟

بالنسبة لـ (فيديريكا موغيرينى ) الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في  الاتحاد الأوروبي، فالإجابة واضحة، وهي أنه: لا أحد يستطيع. ففي يونيو  الماضي، وبعد الادعاء أن إيران أسقطت طائرة  استطلاع أمريكية بدون طيار- ووفقًا لما أفادته التقارير بأن ترامب يُخطط للثأر عبر شن هجمات جوية كما تشير التقارير – تقول موغيرينى أن الأمر متروك لأوروبا لكي ” تحرص على تجنب تصعيد الأزمة”. لا يتحدثالاتحاد الأوروبي بذات النبرة طوال الوقت فيما يخص السياسة الخارجية  كما أن أمامه الكثير قبل أن يُضاهي ثقله  الاقتصادي قوته السياسية. أما بالنسبة لإيران  فلا يوجد رغبة  قوية لإتباع سياسة ترامب الخطرة.

ولنتأمل، على سبيل المثال، الرد البريطاني  على سلسلة من عمليات  الاستيلاء  على ناقلات البترول. ففي يونيو الماضي احتجزت قوات البحرية الملكية البريطانية ناقلة بترول تحمل علم بنما قبالة سواحل منطقة جبل طارق وزعمت أن الحمولة – عبارة عن نفط إيراني متجه إلى مصفاة تكرير النفط السورية في مدينة بانياس – والذي يُعد انتهاكًا لعقوبات الاتحاد الأوروبي. وقد زعمت بريطانيا، والتي لا تزال حتي الآن عضوا  بالاتحاد الأوروبي، أنها تصرفت  بإيعاز من الولايات المتحدة. إلا أنه بعد مرور أسبوعين، عندما استولت إيران  على سفينة تحمل العلم البريطاني عند مضيق هرمز، أدارت بريطانيا ظهرها لواشنطن. وبدلا من أن تنضم لقوات التأمين البحرية  التي تقودها الولايات المتحدة- في منطقة الخليج، صرحت بريطانيا أنها ستتعاون مع الدول الأوروبية فقط لتأمين طرق الشحن. وكان المعنى الضمني واضحًاوهو أنه: لن تندفع بريطانيا نحو حرب مع إيران تحت قيادة الولايات المتحدة.

مسألة ما إذا كان الموقف البريطاني سيعمق من التصميم الأوروبي لا زالت لم تتضح بعد. رغم أن الأوروبيين مُحقون في الإبقاء  على( خطة العمل المشتركة الشاملة JCPOA) – وقد وصفت المحادثات التي جرت يوم الأحد  الماضي بفيينا مع المفاوضين الإيرانيين بأنها “بناءة” – إلا أن الاتفاقية ليس لديها الكثير لتقدمه. وما يجعل الأمور أكثر تعقيدًا هو أن بريطانيا بقيادة رئيس وزرائها الجديد تميل نحو مبدأ “لا صفقة ” بعد خروج بريطانيا من  الاتحاد الأوروبي، بينما يستعد  الاتحاد  الأوروبي  لاستقبال ممثل أعلى جديد لسياسة الأمن والشؤون الخارجية ( على الرغم من أن المرشح المحتمل، جوسيب بوريل، وزير الخارجية الإسباني السابق يشترك مع موغيرينى  في التزامها بالصفقة ).

في خضم هذا الكم من عدم اليقين، ماذا يمكن لأوروبا أن تقدمه لتهدئ من حدة التوترات بين أمريكا وإيران؟ يتمثل أحد الخيارات في أن تضغط بقوة  على الموقعين  على خطة العمل المشتركة الشاملة JCPOAمن الدول غير الأوروبية كروسيا والصين. فعلى  سبيل المثال، إذا دعمت موسكو و بكين التجارة عن طريق آلية دعم التبادل التجاري مع إيرانInstexومن خلال وسائل أخرى، تستطيع باقي الدول التي تدعم  الاتفاق النووي أن توفر لإيران الإغاثة  الاقتصادية التي تمكنها من الصمود أمام الضغط الأمريكي.

كذلك يستطيع جيران إيران أن يكون لهم دور أكبر من ذلك. فبينما سعى العراق للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران، كانت دبلوماسية دول الخليج أقل علانية. وعلى  هذا الوضع أن يتغير، فبالرغم من أن دولاً كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قد دعمتا الولايات المتحدة في نسف الإتفاق النووي الذي عقدته مع إيران في بادئ الأمر، إلا أن كلتا الدولتين لن تستفيدا من نشوب الصراع  على عتبة باب أي منهما. ولتجنب تلك النتيجة  على الإمارات العربية المتحدة  والمملكة العربية السعودية أن تدفع إدارة ترامب نحو التخلي عن خطابها الداعم للحرب وأن  تسعى للحل السياسي.

ولكي يجدي ذلك نفعا،  على أوروبا أن تستمر في القيادة وتتولى زمام الأمور وأن توفر لإيران بدائل عملية لتخفيف العقوبات المفروضة  عليها وكذلك المحافظة  على بقاء  الاتفاق النووي إلى بعد إجراء  الانتخابات الرئاسية الأمريكية. تستطيع  أوروبا أن تقدم بديلا عمليًا لقرع طبول الحرب الأمريكية. فرغم أن الخسارة قد تضع الكثير   على المحك، إلا أن هنالك الكثير الذي يمكن الفوز به حال هزيمة ترامب في مباراته الخاصة.

جريج سي برونو هو مؤلف كتاب ” بركات من بكين : داخل حرب القوة الناعمة الصينية فوق جبال التبت ” “Blessings from Beijing: Inside China’s Soft-Power War on Tibet.”.  والذي عمل كصحفي في جريدة نيويورك تايمز و فورين أفيرز و الجارديان بالإضافة إلى منافذ إعلامية دولية أخرى وكان عضوا في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك كذلك عمل كمحرر رأي في جريدة ذا ناشيونال بإمارة أبو ظبى الإماراتية وكذلك بصحيفة بروجيكت سينديكيت بالعاصمة التشيكية براغ